الصحابة المبشّرون بالجنّة (22): خديجة بنت خويلد رضي الله عنها

هي أمّ المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية الأسدية، زوج النبي ﷺ، وأمّ أولاده كلهم سوى إبراهيم. كانت عاقلة جليلة، ديّنة مصونة كريمة، عُدّت ممن كَمُل من النساء.

كان النبي ﷺ يثني عليها ويفضّلها على سائر أمهات المؤمنين، ويبالغ في تعظيمها. ومن منزلتها عنده أنه لم يتزوج امرأة قبلها، ولم يتزوج عليها أخرى ولا تسرّى ما دامت حية، فلما قضت نحبها وجد لفقدها وجدا شديدا (1).

ولها رضي الله عنها أوّليتان لم يُنازعها فيهما أحد:

أولاهما: أنها أول من آمن بالنبي ﷺ مطلقا. قال ابن عبد البر: “لا يختلفون أن رسول الله ﷺ لم يتزوج في الجاهلية غير خديجة، ولا تزوج عليها أحدا من نسائه حتى ماتت، ولم تلد له من المهائر غيرها، وهي أول من آمن بالله ورسوله ﷺ. وهذا قول قتادة والزهري وعبد الله بن محمد بن عقيل وابن إسحاق وجماعة، قالوا: خديجة أول من آمن بالله من الرجال والنساء، ولم يستثنوا أحدا” (2). وقال ابن الأثير: “أول امرأة تزوجها، وأول خَلْق الله أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا امرأة” (3). وعدّ النووي هذا القول الصواب عند جماعة من المحققين (4).

والثانية: أنها أول من ثبّت رسول الله ﷺ على وحيه، وكانت سَكنه في أيامه الأولى من البعثة، يرجع إليها فيما يكره، فتثبّته وتهوّن عليه.

وقد روى الطبراني وغيره بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر خديجة لم يكد يسأم من ثناء عليها واستغفار لها. فذكرها ذات يوم، فاحتملتني الغيرة فقلت: لقد عوّضك الله من كبيرة. قالت: فرأيت رسول الله ﷺ غضب غضبا شديدا سقط في جِلدي، فقلت: اللهم إن أذهبتَ عني غضب رسول الله لم أذكرها بسوء ما بقيت. فلما رأى الذي لقيت، قال: «كيف قلتِ؟ والله لقد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدّقتني إذ كذّبني الناس، ورزقتُ من الولد إذ حرمتمونيه». فغدا بها عليّ وراح شهرا (5).

وقد عدّها النبي ﷺ من أفضل نساء أهل الجنة؛ فعن ابن عباس قال: خطّ رسول الله ﷺ في الأرض أربعة خطوط، ثم قال: «تدرون ما هذا؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. فقال: «أفضل نساء أهل الجنة: خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، ومريم بنت عمران» (6). وفي حديث آخر عند البخاري ومسلم من حديث علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد»، أي خير نساء زمانها (7).

وقد جرى بين العلماء كلام طويل في المفاضلة بينها وبين عائشة وفاطمة. قال ابن كثير: “والحق أن كلا منهما لها من الفضائل ما لو نظر الناظر فيه لبهره وحيّره، والأحسن التوقف في ذلك، ورد علم ذلك إلى الله عز وجل” (8). وقد قال غير واحد من المحققين بتقديم فاطمة ثم خديجة ثم عائشة، وممن قاله تقي الدين السبكي (9). وعلّق الصالحي الشامي على ذلك بقوله: “والكلام في التفضيل صعب، فلا ينبغي التكلم إلا بما ورد، والسكوت عما سواه، وحفظ الأدب” (10).

توفيت رضي الله عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين على الصحيح، ـ وقيل: بأربع، وقيل: بخمس ـ في شهر رمضان، وكانت من قبل الإسراء بثلاث سنين، ولها يومئذ خمس وستون سنة. ونزل رسول الله ﷺ في حفرتها بيده (11).

وقد ثبتت البشارة لها بالجنة من حديث ابن أبي أوفى وأبي هريرة وعائشة وابن عباس وابن عمر وفاطمة الزهراء رضي الله عنهم. ومن أصحّ ذلك ما رواه إسماعيل بن أبي خالد قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى: أكان رسول الله ﷺ بشّر خديجة ببيت في الجنة؟ قال: نعم، بشّرها ببيت في الجنة من قصب، لا صَخَب فيه ولا نَصَب (12). قال السهيلي معلّقا على وصف بيتها بأنه “من قصب” دون “من لؤلؤ” ـ وإن كان المعنى واحدا ـ: إنما خُصّ هذا اللفظ بها لأنها أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنساء، والعرب تسمي السابق محرزا للقَصب (13).


الهوامش:

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي (2/110)، باختصار.

(2) الاستيعاب، ابن عبد البر (2/87).

(3) أسد الغابة، ابن الأثير (1/1337).

(4) التقريب والتيسير لمعرفة سنن البشير النذير، النووي (ص 21).

(5) أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (16/319)، والدولابي في الذرية الطاهرة (17).

(6) أخرجه أحمد في المسند (2668)، والطبراني في المعجم الكبير (22/407)، والحاكم في المستدرك (3/204).

(7) أخرجه البخاري (3249)، ومسلم (2430)، والترمذي (3877)، والنسائي في السنن الكبرى (8354). وتفسير قوله “خير نسائها” أنه أراد خير نساء زمانها، نقله ابن كثير في البداية والنهاية (3/129).

(8) البداية والنهاية، ابن كثير (3/372، ط. دار ابن كثير).

(9) نقله ابن حجر في فتح الباري (7/139).

(10) سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي (11/162).

(11) انظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد (8/18)؛ سير أعلام النبلاء، الذهبي (2/109)؛ الإصابة، ابن حجر (7/600)؛ سبل الهدى والرشاد، الصالحي الشامي (11/157).

(12) أخرجه البخاري (1699)، ومسلم (2433)، وأحمد في المسند (19151) وغيرهم.

(13) الروض الأنف، السهيلي (1/414).