الصحابة المبشّرون بالجنة (23) : الرُّمَيْصاء بنت مِلْحان (أم سُلَيم) رضي الله عنها

هي أم سُلَيم بنت مِلْحان بن خالد الأنصارية، والدة الصحابي الجليل أنس بن مالك. اختُلف في اسمها فقيل: سهلة، وقيل: رُمَيلة، وقيل: رُمَيثة، وقيل: مُليكة، وقيل: أُنَيسة. وتُلقّب بالغُمَيصاء، أو الرُّمَيصاء، وقد اشتهرت بكنيتها أمَّ سُلَيم. وكانت من الصحابيات الفاضلات، عاقلة فقيهة، ذات رأي وشجاعة.

كانت في الجاهلية تحت مالك بن النضر، فولدت له أنسا. فلما ظهر الإسلام، كانت من السابقين من الأنصار إلى الإيمان به، فغضب زوجها مالك ابتداء، وخرج إلى الشام فمات بها على شركه.

فلما تأيّمت، خطبها أبو طلحة الأنصاري ـ وكان يومئذ مشركا ـ، فأبت أن تزوّجه حتى يسلم، وكان مَهرها لزوجها الإسلام. روى النسائي وغيره القصة عن أنس قال: إن أبا طلحة خطب أم سُلَيم، فقالت: يا أبا طلحة، أليس إلهك الذي تعبد خشبة نبتت من الأرض، نَجَرها حبشيُّ بني فلان؟ قال: بلى. قالت: فلا تصحبني إن تعبد خشبة نبتت من الأرض نَجَرها حبشيُّ بني فلان. إن أنت أسلمتَ، لم أرد منك شيئا غيره. قال: حتى أنظر في أمري. ثم ذهب، فلما رجع قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. فقالت: يا أنس، زوّج أبا طلحة (1).

وحسُن إسلام أبي طلحة، فولدت له غلاما أعجب به، فمات صغيرا، ويقال: إنه أبو عُمير صاحب النُّغَير الذي وردت فيه القصة المشهورة في الصحيحين. ثم رزقها الله بعده عبد الله بن أبي طلحة، فبورك فيه وفي ذريته؛ إذ كان من ولده إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته العشرة الذين حُمل عنهم العلم جميعا (2).

وقد روت أم سُلَيم عن النبي ﷺ أحاديث، وكانت من عقلاء النساء. ومن مواقفها التي تدل على قوة نفسها ما وصفها به أبو نعيم في الحلية بقوله: “الطاعنة بالخناجر في الوقائع والحروب” (3)؛ فقد جاء في الصحيحين من حديث أنس أنها هي وعائشة رضي الله عنهما كانتا يوم أحد تنقلان القِرَب على متونهما، ثم تُفرغانها في أفواه القوم (4).

وقد ثبتت لها البشارة بالجنة من حديث جابر بن عبد الله، وأنس بن مالك. ومنها ما رواه جابر رضي الله عنه قال: قال النبي ﷺ: «رأيتني دخلتُ الجنة، فإذا أنا بالرُّمَيصاء امرأة أبي طلحة. وسمعت خَشَفة، فقلت: من هذا؟ فقال: هذا بلال. ورأيت قصرا بفنائه جارية، فقلت: لمن هذا؟ فقالوا: لعمر، فأردت أن أدخله فأنظر إليه، فذكرتُ غيرتَك». فقال عمر: بأبي وأمي يا رسول الله، أعليك أغار؟ (5).


الهوامش:

(1) أخرجه النسائي في السنن الكبرى (5/179 رقم 5374).

(2) الاستيعاب، ابن عبد البر (2/130). وحديث أبي عُمَير وصاحبه النُّغَير أخرجه البخاري (5135) ومسلم (2144).

(3) حلية الأولياء، أبو نعيم الأصبهاني (2/57).

(4) أخرجه البخاري (2724)، ومسلم (1811).

(5) أخرجه البخاري (3476)، ومسلم (2456)