المصاهرات بين آل البيت وآل عمر بن الخطاب [2] : عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل بين عباده المودة والرحمة، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وعلى آله وصحبه ذوي القدر الرفيع.

فإن المصاهرة إذا أثمرت ذريةً جمعت شرف الطرفين كانت أبلغ في الدلالة على القرب وأبقى أثرًا، وقد كان من ذلك ما جمع بين بيت الفاروق عمر بن الخطاب وبيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، حين تزوج عمرُ أمَّ كلثوم بنت علي، فأثمرت هذه المصاهرة ولدًا اجتمع له شرف الانتساب إلى الخليفتين معًا. وفي هذا المقال عرضٌ لهذه المصاهرة ومكانتها وثبوتها، مسندًا إلى مصادره.

فأم كلثوم رضي الله عنها هي بنت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وأمها فاطمة الزهراء بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فهي بذلك من صميم أهل البيت، بنت فاطمة وحفيدة النبي ﷺ. وقد عدّها أهل النسب في ولد علي من فاطمة إلى جانب الحسن والحسين وزينب الكبرى، كما ذكر ذلك ابن شهر آشوب في «مناقب آل أبي طالب» في تعداد ولد فاطمة عليها السلام.

وأما زواجها من عمر رضي الله عنه فهو ثابت مقرَّر في أمهات المصادر من الفريقين جميعًا، لا يختص بطريق دون طريق؛ فقد أثبتته كتب الأنساب والتاريخ عند أهل السنة، كما أثبتته أمهات المصادر عند الإمامية أنفسهم، حتى صار من المواضع التي لا يسع إنكارها. فذكره الكليني في «الكافي» في باب أفرده لتزويج أم كلثوم، وذكره ابن شهر آشوب في «المناقب»، وابن الطقطقي في «الأصيلي في أنساب الطالبيين»، وورد في «تهذيب الأحكام» و«الاستبصار» للطوسي، ونصّ عليه الشريف المرتضى في «رسائله»، والطبرسي في «إعلام الورى»، والمجلسي في «مرآة العقول» و«بحار الأنوار». قال ابن الطقطقي في ذكر بنات أمير المؤمنين: «وأم كلثوم أمها فاطمة الزهراء عليها السلام، تزوجها عمر بن الخطاب فولدت له زيدًا، ثم خلف عليها عبدالله بن جعفر».

فأثمرت هذه المصاهرة زيدَ بن عمر، الذي اجتمع له في نسبه شرف الخليفتين: الفاروق عمر من جهة أبيه، وأمير المؤمنين علي من جهة أمه، ومن ورائهما رسول الله ﷺ جدُّ أمه؛ ولهذا كان يقول مفتخرًا: «أنا ابن الخليفتين»، يقصد عمر وعليًّا رضوان الله عليهما. وفي هذه الكلمة اعتزازٌ صريح بالنسبين معًا. وقد بقيت أم كلثوم مع ابنها زيد حتى ماتا في ساعة واحدة، لم يُدرَ أيهما مات قبل الآخر، فلم يُورَّث أحدهما من الآخر، وصُلّي عليهما جميعًا، كما رواه الطوسي في «تهذيب الأحكام» عن الإمام الباقر عليه السلام، وأورده الجواهري في «جواهر الكلام».

وبهذه المصاهرة يتبين أن الصلة بين بيت النبوة وبيت الفاروق لم تقف عند مصاهرة النبي ﷺ لحفصة بنت عمر، بل امتدت إلى الجيل التالي حين صاهر عمرُ أميرَ المؤمنين عليًّا في ابنته أم كلثوم بنت فاطمة الزهراء؛ فاجتمع للفاروق رضي الله عنه أن يكون صهرًا لرسول الله ﷺ، ثم صهرًا لأمير المؤمنين علي رضي الله عنه، وأن يخرج من هذه المصاهرة ولدٌ يفخر بانتسابه إلى البيتين الكريمين. وهي مصاهرة يقرّرها أئمة النسب والتاريخ من الفريقين، ويثبتونها في أمهات كتبهم؛ بما يجعلها من أوثق ما يُستدل به على قرب البيتين وائتلافهما، وصفاء ما كان بين أهل بيت النبوة وآل الفاروق رضوان الله عليهم أجمعين.

المصادر:

الكليني، «الكافي» (باب تزويج أم كلثوم، ج5)؛ ابن شهر آشوب، «مناقب آل أبي طالب» (3/89)؛ ابن الطقطقي، «الأصيلي في أنساب الطالبيين» (ص58، بتحقيق مهدي الرجائي)؛ الطوسي، «تهذيب الأحكام» (9/362-363) و«الاستبصار» (3/352)؛ الشريف المرتضى، «رسائل المرتضى» (المجموعة الثالثة، ص149)؛ الطبرسي، «إعلام الورى بأعلام الهدى» (ص397)؛ المجلسي، «بحار الأنوار» (42/93)؛ الجواهري، «جواهر الكلام» (39/308).