المصاهرات بين آل البيت وآل عمر بن الخطاب [1] : النبي ﷺ وحفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فإن أولى المصاهرات بين بيت النبوة وبيت الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، إذ تزوج من حفصة بنت عمر، فصار الفاروق صهرًا لرسول الله ﷺ، وصارت ابنته أمًّا للمؤمنين.
وفي هذا المقال عرضٌ لهذه المصاهرة وما اتصل بها من أخبار حفصة رضي الله عنها في نسبها وحياتها ومكانتها، مسندًا إلى مصادره.
فهي حفصة بنت عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عدي بن كعب بن لؤي، وأمها زينب بنت مظعون. ولدت قبل الهجرة بثمانية عشر عامًا، وكانت أكبر أولاد عمر بن الخطاب سنًّا، فهي أسنّ من أخيها عبدالله بن عمر، على ما ذكره المباركفوري في «الرحيق المختوم». وقد تزوجت أولًا من خنيس بن حذافة السهمي، وكانا قد دخلا الإسلام معًا، فهاجر خنيس إلى الحبشة ثم إلى المدينة، وشهد بدرًا ولم يشهدها من بني سهم غيره، ثم توفي متأثرًا بجراحه التي أصيب بها فيها، كما ذكره الحلبي في «السيرة الحلبية» وابن سيد الناس في «عيون الأثر».
فلما تأيمت حفصة عرض أبوها عمر أمرها على عثمان بن عفان فاعتذر، ثم عرضها على أبي بكر فصمت ولم يُرجع إليه شيئًا، فوجد عمر في نفسه على أبي بكر. ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحها إياه عمر، فلقيه أبو بكر معتذرًا وأخبره أنه إنما صمت لأنه كان يعلم أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم يكن ليفشي سرّ رسول الله ﷺ، ولو تركها النبي ﷺ لقبلها، والخبر في «سبل الهدى والرشاد» للصالحي الشامي. وكان زواجها منه ﷺ في شعبان على رأس ثلاثين شهرًا قبل أُحد، وقيل في السنة الثالثة من الهجرة، كما في «الطبقات الكبرى» لابن سعد.
وقد بلغت حفصة رضي الله عنها منزلة رفيعة عند النبي ﷺ، حتى إنه لما طلّقها راجعها، فقد جاء أنه ﷺ قال: «قال لي جبريل: راجع حفصة؛ فإنها صوّامة قوّامة، وإنها زوجتك في الجنة»، والخبر أورده البوصيري في «إتحاف الخيرة المهرة». وكانت رضي الله عنها متعلمة للكتابة، وهو أمر نادر بين النساء حينئذ، فقد سألها النبي ﷺ أن تعلّم الشفاء بنت عبدالله رقية النملة كما علّمتها الكتابة، والحديث في «سنن أبي داود» ومسند أحمد، وصححه الألباني.
ومن أعظم ما اتصل بحفصة رضي الله عنها أن صحف القرآن الكريم التي جُمعت في عهد أبي بكر الصِّديق بإشارة عمر بن الخطاب كانت محفوظة عندها، ثم اعتمد عليها عثمان بن عفان في كتابة المصحف الإمام الذي وحّد عليه الأمصار الإسلامية؛ ولهذا لُقّبت بحارسة القرآن، وكانت من فقيهات الصدر الأول، يُسأل فتُجيب. وقد روت عن رسول الله ﷺ وعن أبيها عمر ستين حديثًا، اتفق البخاري ومسلم على ثلاثة منها، وانفرد مسلم بستة، وروى عنها جماعة من الصحابة والتابعين، منهم أخوها عبدالله بن عمر وابنه حمزة وغيرهما، ومسندها في كتاب بقيّ بن مخلد ستون حديثًا، كما ذكره الذهبي في «سير أعلام النبلاء» والزركلي في «الأعلام». ثم توفيت رضي الله عنها في شعبان سنة خمس وأربعين للهجرة على أرجح الروايات، وقد لزمت بيتها بعد وفاة النبي ﷺ، وكانت هي وعائشة رضي الله عنهما يدًا واحدة.
وبهذه المصاهرة تأسست القرابة بين بيت النبوة وبيت الفاروق في أرفع مقاماتها، إذ كان طرفها الأعلى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم؛ فاجتمع لعمر رضي الله عنه شرف الصحبة إلى شرف القرابة، كما اجتمع ذلك للصِّديق قبله. وصارت هذه المصاهرة أصلًا شريفًا تفرّعت عنه المصاهرة اللاحقة بين البيتين حين تزوج عمر أمَّ كلثوم بنت علي بن أبي طالب، وهي التي يتناولها المقال التالي.
المصادر:
المباركفوري، «الرحيق المختوم» (ص70-71)؛ الحلبي، «السيرة الحلبية» (3/314)؛ ابن سيد الناس، «عيون الأثر» (2/384)؛ الصالحي الشامي، «سبل الهدى والرشاد» (11/184)؛ ابن سعد، «الطبقات الكبرى» (7/81)؛ البوصيري، «إتحاف الخيرة المهرة» (7/251)؛ أبو داود، «السنن» (كتاب الطب، رقم 3887)، وأحمد (27140)، والألباني في «السلسلة الصحيحة» (178)؛ الذهبي، «سير أعلام النبلاء» (2/227-228)؛ الزركلي، «الأعلام» (2/265).