آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الأحزاب (ج3)
قوله تبارك وتعالى : ((وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (22) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا)).
هذه الآيات نزلت خاصة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار رضوان الله تعالى عليهم الذين شهدوا معه غزوة الأحزاب (الخندق) وكانوا نحواً من ثلاثة آلاف في أصح الروايات، والآيات الكريمة تشهد بصدق الصحابة وقوة إيمانهم، فزادهم الحق تبارك وتعالى إيماناً وتسليماً لأمره عز وجل.
((فقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين لما رأوا الأحزاب يعني حنود الكفار الذين جاءوهم من فوقهم ومن أسفل منهم قالوا : هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ولم يبين هنا الآية التي وعدهم إياه فيها ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى : (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ) (214) وممن قال إن آية البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب هذه : إبن عباس، وقتادة وغير واحد، وهو ظاهر، وقوله في هذه الآية الكريمة ((وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا)) صريح في أن الإيمان يزيد، وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه فلا وجه للإختلاف فيه مع تصريح الله جل وعلا في كتابه في آيات متعددة كقوله تعالى : ((لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ)) – الفتح (4) – وقوله تعالى : ((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا)) – التوبة 124 – إلى غير ذلك من الآيات)).
وقوله تبارك : ((مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا … الآية))
أن رجالاً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وفوا ما عاهدوا الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة من الثبات في قتال الكفار فمنهم من استشهد في سبيل الله ومنهم من ينتظر، وأخرج البخاري ومسلم من حديث أنس رضي الله عنه، قال : ((غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال : يا رسول الله غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال : اللهم إني اعتذر إليك مما صنع هؤلاء – يعني أصحابه – وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء – يعني المشركين -.
ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ، فقال : يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر إني أجد ريحها من دون أحد. قال سعد ((فما استطعت يا رسول الله ما صنع. قال أنس : فوجدنا به بضعاً وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح أو رَمِيَّةً بسهم، ووجدنا قد قتل وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه. قال أنس : كنا نرى – أو نظن – أن هذه الآية نزلت فيه وفي اشباهه : (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) – البخاري 2805 – ومسلم 1903 – (واللفظ للبخاري). وَعَن أنس رضي الله عنه، قال : كانت الأنصار يوم الخندق تقول :
نَحْنُ الذينَ بَايعُوا مُحَمّدا عَلَى الجِهَادِ مَا حَيِينَا أَبَدَا
فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم : (متمثلاً بقول عبد الله بن رواحة – رضي الله عنه)
((اللَّهُمَّ لاَ عَيْشَ إلاَّ عَيْشَ الآخِرَة فَأكْرِمِ الأنْصَارَ وَالمُهَاجِرَة)).