آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الفتح (ج2)

قوله تبارك وتعالى : ((سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا (15) قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِن تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِن تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُم مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (16).

قوله عز وجل : ((سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ … الآية . فالداعي هنا أبو بكر الصديق – رضي الله تعالى عنه – فقد دعاهم لقتال المرتدين من بني حنيفة قوم مسيلمة وغيرهم، ثم قتال الفرس والروم، ومن بعده عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهما، ولم يكن الداعي في هذه الآية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك لقوله تعالى في سورة التوبة : ((لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَدًا وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوًّا)) وهذه الآية دليل قرآني على صحة خلافة الصديق والفاروق وذي النورين رضي الله عنهم. ((فالقوم أولي البأس الشديد في هذه الآية هم : فارس، وهو قول ابن عباس وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وابن أبي ليلى وعطاء الخرساني، وقال كعب والحسن وعبد الرحمن بن أبي ليلى : الروم. وعن الحسن أيضا : فارس والروم، وقال الزهري ومقاتل : بنو حنيفة أهل اليمامة أصحاب مسيلمة. وقال رافع بن خَديج : ((والله كنا نقرأ هذه الآية فيما مضى ((ستدعون إلى قوم أولي بأسٍ شديدٍ)) فلا نعلم من هم حتى دعانا أبو بكر إلى قتال بني حنيفة فعلمنا أنهم هم)).

فدلت هذه الآية بحمد الله تعالى على صحة خلافة الصديق والفاروق وذي النورين. أما زمن خلافة علي رضي الله تعالى عنه فلم يكن شيء من ذلك مع الجزم بصحة خلافته رضي الله عنه لبيعة المهاجرين والأنصار له.

قوله تبارك وتعالى : ((وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا)).

هذا وعد لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالنصر على عدوهم. وقد بين الرسول عليه السلام هذا الوعد المحقق في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه – المتفق عليه – : ((يأتي زمان يغزو فِئَامٌ من الناس، فيقال فيكم من صحب النبي – صلى الله عليه وسلم ؟ فيقال نعم. فيفتح عليه، ثم يأتي زمان، فيقال : هل فيكم من صحب أصحاب النبي – صلى الله عليه وسلم -؟ فيقال نعم، فَيُفْتح، ثم يأتي زمان فيقال : فيكم من صحب صاحب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ فيقال : نعم، فيفتح))([4]). قال الإمام النووي رحمة الله عليه : ((وفي هذا الحديث معجزات لرسول الله صلى الله عليه وسلم وفضائل الصحابة والتابعين)). قلت : وكيف لا؟ وقد قذف الله الرعب في قلوب الكفار بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال للصحابة : ((لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله)).

وهذا الوعد بالنصر والتمكين لهذه الأمة لن يتحقق أبداً ما لم نحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ونذب عنهم وندفع بهتان من يسبهم ويكفرهم ويطعن فيهم. فالدفاع عنهم رضي الله عنهم واجب شرعي على كل مكلف يؤمن بالله واليوم الآخر باللسان والقلم .. أما القتال فأمره لولاة الأمور. وعلينا السمع والطاعة لهم كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم.

قوله تبارك وتعالى : ((إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا))؟

والزمهم، أي : اختار لهم، وهو إلزام تشريف وإكرام لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكلمة التقوى، هي : شهادة أن لا إله إلا الله، محمد رسول الله؛ فعن أبي بن كعب رضي الله عنه : وألزمهم كلمة التقوى، قال : لا إله إلا الله)) أخرجه الإمام أحمد.
وروي عن جماعة من التابعين، وكانوا أحق بها وأهلها : عطف تفسيري، أي : وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من الكفار والمستأهلين لها دونهم في علم الله تعالى، لأن الله سبحانه أهلهم لدينه واختارهم لصحبة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان الله بكل شيءٍ عليما، أي : من أمر الكفار وما كانوا يستحقونه من العقوبة، وأمر المؤمنين وما كانوا يستحقونه من الخير)).

وهذه شهادة من الله تبارك وتعالى لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيعة الرضوان بالفضل والإيمان والتقوى. ثم نرى شيوخ الروافض أصحاب العمائم السوداء والبيضاء يكفرونهم دونما استحياء ويردون شهادة علام الغيوب سبحانه وتعالى.