الصحابة المبشرون بالجنة (10): زيد بن حارثة رضي الله عنه

هو زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، أبو أسامة، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحبّه، صحابي جليل مشهور، من أوائل الناس إسلاما. قال ابن سعد في طبقاته: «أمه سعدى بنت ثعلبة من طيء». وقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: «ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد، حتى نزلت: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ [الأحزاب: 5]»(1).

وقصة وصوله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من طرائف أخبار السيرة، فقد روى الكلبي وجميل بن مرثد الطائي وغيرهما قالوا: «زارت سعدى أم زيد بن حارثة قومها وزيد معها، فأغارت خيل لبني القين بن جسر في الجاهلية على أبيات بني معن، فاحتملوا زيدا وهو غلام يافع، فأتوا به في سوق عكاظ فعرضوه للبيع، فاشتراه حكيم بن حزام لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهبته له. ثم حج ناس من كلب فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فانطلقوا فأعلموا أباه ووصفوا له موضعه، فخرج حارثة وكعب أخوه بفدائه، فقدما مكة فسألا عن النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: هو في المسجد، فدخلا عليه فقالا: يا ابن عبد المطلب، يا ابن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله، تفكون العاني وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عبدك، فامنن علينا وأحسن في فدائه فإنا سنرفع لك. قال: وما ذاك؟ قالوا: زيد بن حارثة. فقال: أو غير ذلك؟ ادعوه فخيروه، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء. قالوا: زدتنا على النصف. فدعاه فقال: هل تعرف هؤلاء؟ قال: نعم، هذا أبي وهذا عمي. قال: فأنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي لك، فاخترني أو اخترهما. فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحدا، أنت مني بمكان الأب والعم. فقالا: ويحك يا زيد، أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك وعمك وأهل بيتك؟! قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بالذي أختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك أخرجه إلى الحجر فقال: اشهدوا أن زيدا ابني يرثني وأرثه. فلما رأى ذلك أبوه وعمه طابت أنفسهما وانصرفا، فدعي زيد ابن محمد، حتى جاء الله بالإسلام»(2).

وقد كانت منزلة زيد رضي الله عنه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلة رفيعة، تشهد له بها روايات كثيرة. فعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: «غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، ومع زيد بن حارثة سبع غزوات، يؤمره علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم»(3). وعن محمد بن أسامة بن زيد عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة: «يا زيد، أنت مولاي ومني وإلي، وأحب الناس إلي»(4). وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأيم الله إن كان لخليقا للإمارة – يعني زيد بن حارثة – وإن كان لمن أحب الناس إلي»(5). وعن ابن عمر رضي الله عنهما أيضا قال: «فرض عمر لأسامة أكثر مما فرض لي، فسألته، فقال: إنه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، وإن أباه كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك»(6).

استشهد زيد رضي الله عنه يوم مؤتة في حياة النبي صلى الله عليه وسلم سنة ثمان من الهجرة، وهو ابن خمس وخمسين سنة(7). وقد ثبتت البشارة له بالجنة من حديث أبي قتادة، وعبد الله بن عباس، وبريدة بن الحصيب، ومرسل محمد بن عمر بن علي، وسأقتصر هنا على حديث أبي قتادة رضي الله عنه:

فعن عبد الله بن رباح قال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء، وقال: عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد فجعفر، فإن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة الأنصاري. فوثب جعفر فقال: بأبي أنت يا نبي الله وأمي، ما كنت أرهب أن تستعمل علي زيدا. قال: امضوا، فإنك لا تدري أي ذلك خير. فانطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وأمر أن ينادى: الصلاة جامعة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ناب خبر – أو ثاب خبر، شك عبد الرحمن – ألا أخبركم عن جيشكم هذا الغازي، إنهم انطلقوا حتى لقوا العدو، فأصيب زيد شهيدا، فاستغفروا له. فاستغفر له الناس. ثم أخذ اللواء جعفر بن أبي طالب فشد على القوم حتى قتل شهيدا، أشهد له بالشهادة، فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء عبد الله بن رواحة فأثبت قدميه حتى أصيب شهيدا، فاستغفروا له. ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأمراء، هو أمّر نفسه. فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه وقال: اللهم هو سيف من سيوفك فانصره – وقال عبد الرحمن مرة: فانتصر به – فيومئذ سمي خالد سيف الله. ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: انفروا فأمدوا إخوانكم، ولا يتخلفن أحد. فنفر الناس في حر شديد مشاة وركبانا»(8).


الهوامش:

(1) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (5479)، والبخاري في صحيحه، كتاب التفسير، برقم (4504)، ومسلم في صحيحه (7/130)، والترمذي في سننه برقم (3209) و(3814).

(2) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/42) وقال: «هذا كله حدثنا به هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه، وعن جميل بن مرثد الطائي وغيرهما، وقد ذكر بعض هذا الحديث عن أبيه عن أبي صالح عن ابن عباس». ثم ذكر في تتمة القصة زواج زيد بن حارثة من زينب بنت جحش رضي الله عنهما.

(3) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (4272) عن سلمة بن الأكوع أنه قال: «غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم سبع غزوات، وغزوت مع ابن حارثة استعمله علينا». ومع أن الحافظ ابن حجر رحمه الله أطلق العزو للبخاري في موضع، إلا أنه فصّل في فتح الباري (7/498) فقال معلقا على رواية البخاري المذكورة: «هكذا ذكره مبهما، ورواه أبو مسلم الكجي عن أبي عاصم بلفظ: وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا، وكذلك أخرجه الطبراني عن أبي مسلم بهذا اللفظ، وأخرجه أبو نعيم في المستخرج عن أبي شعيب الحراني عن أبي عاصم كذلك، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طرق عن أبي عاصم. وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعا كما قال سلمة» اهـ. ورواية الطبراني التي أشار إليها الحافظ أخرجها في المعجم الكبير (7/30) برقم (6282).

(4) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (3/44). قال ابن حجر في الإصابة في تمييز الصحابة (2/601): «أخرجه ابن سعد بإسناد حسن».

(5) أخرجه البخاري في صحيحه برقم (3524)، ومسلم في صحيحه برقم (2426).

(6) أخرجه الترمذي في سننه برقم (3813) وقال: «هذا حديث حسن غريب». ولفظه: عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «أنه فرض لأسامة بن زيد في ثلاثة آلاف وخمسمئة، وفرض لعبد الله بن عمر في ثلاثة آلاف، فقال عبد الله بن عمر لأبيه: لم فضلت أسامة علي؟ فوالله ما سبقني إلى مشهد. قال: لأن زيدا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي». وقد حكم عليه الحافظ ابن حجر في الإصابة بالصحة (2/601).

(7) ينظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر العسقلاني (2/598).

(8) أخرجه الإمام أحمد في مسنده برقم (22604) و(22619)، والنسائي في السنن الكبرى برقم (8249)، وابن أبي شيبة في المصنف برقم (36966)، والدارمي في سننه برقم (2448) مختصرا، وابن حبان في صحيحه برقم (7048) وغيرهم، من طرق عن الأسود بن شيبان عن خالد بن سمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح فذكره. قال الهيثمي في مجمع الزوائد (6/150): «رجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير، وهو ثقة». وخالد بن سمير وثقه النسائي، ينظر: الكاشف للذهبي (1328)، وذكره ابن حبان في الثقات (8/129).