الصحابة المبشّرون بالجنّة (16) : عكّاشة بن مِحْصَن رضي الله عنه

هو عكّاشة بن مِحْصَن بن حُرثان الأسدي، حليف بني عبد شمس، من السابقين الأولين إلى الإسلام. كان من سادات الصحابة وفضلائهم، ومن أجمل الرجال خَلْقا. وقد اختُلف في ضبط اسمه؛ فمنهم من شدّد الكاف ومنهم من خفّفها، نقل ذلك ابن سعد (1).

هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، فأبلى فيها بلاء حسنا. ومن أخباره في تلك الغزوة ما رواه عن نفسه قال: انقطع سيفي يوم بدر، فأعطاني رسول الله ﷺ عودا، فإذا هو سيف أبيض طويل، فقاتلت به حتى هزم الله المشركين. ولم يزل ذلك السيف عنده حتى هلك، وكان يُسمّى “العَوْن” (2). ثم شهد بعد بدر سائر المشاهد مع رسول الله ﷺ، من أحد والخندق وغيرهما.

ولما توفي النبي ﷺ، كان عكاشة في الرابعة والأربعين من عمره. ثم خرج في قتال أهل الردة، فاستُشهد على يد طليحة بن خويلد الأسدي الذي ادّعى النبوة (3).

وقد بشّره النبي ﷺ في حياته بأنه من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب؛ فعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: خرج علينا النبي ﷺ يوما فقال: «عُرضت عليّ الأمم، فجعل يمرّ النبيُّ معه الرجل، والنبيُّ معه الرجلان، والنبيُّ معه الرهط، والنبيُّ ليس معه أحد، ورأيتُ سوادا كثيرا سدّ الأفق، فرجوت أن يكون أمّتي، فقيل: هذا موسى وقومه. ثم قيل لي: انظر، فرأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق، فقيل لي: انظر هكذا وهكذا، فرأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق، فقيل: هؤلاء أمتك، ومع هؤلاء سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب». فتفرّق الناس ولم يُبيَّن لهم من هم، فتذاكر أصحاب النبي ﷺ، فقالوا: أما نحن فوُلدنا في الشرك، ولكنّا آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. فبلغ ذلك النبي ﷺ، فقال: «هم الذين لا يَتَطَيَّرون، ولا يَسْتَرْقُون، ولا يَكْتَوُون، وعلى ربهم يتوكلون». فقام عكاشة بن مِحصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: «نعم». فقام آخر فقال: أمنهم أنا؟ قال: «سبقكَ بها عكاشة» (4).

وقد ثبتت البشارة له بالجنة كذلك من حديث عمران بن حصين، وابن مسعود.


الهوامش:

(1) الاستيعاب، ابن عبد البر (1/332)، وانظر: الطبقات الكبرى، ابن سعد (3/92).

(2) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (3/99)، وفي إسناده الواقدي وهو متروك، كما في تقريب التهذيب، ابن حجر (6175). وانظر في تسمية السيف: السيرة النبوية، ابن هشام (1/637).

(3) انظر: الاستيعاب، ابن عبد البر (1/332)؛ أسد الغابة، ابن الأثير (1/780)؛ تهذيب الأسماء واللغات، النووي (1/474)؛ الإصابة، ابن حجر (4/533).

(4) أخرجه البخاري (5378)، ومسلم (549)، والترمذي (2446)، والنسائي في السنن الكبرى (7604) وغيرهم، من طرق عن حصين بن عبد الرحمن السلمي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.