رد الشبهات حول الصحابة رضي الله عنهم (تضخيم الأخطاء)

من طرق الشبهات حول الصحابة رضي الله عنهم أن يكونَ الخبرُ المحتج به سَنَدَهُ صحيحًا، ولم يَعْتَرِهِ زِيَادةٌ أو نقصانٌ، ويكونَ في الخَبَرِ شَيْءٌ مِنَ الأخطاءِ التي تقعُ مِنْ صَحَابيٍّ كونه غيرَ معصومٍ كبقيَّةِ النَّاسِ في كُلِّ زَمانٍ ومكانٍ. فنقول: مَنْ ذَا الذي مَا سَاءَ قَط؟ ومَنْ لَهُ الْحُسْنَى فَقَطْ؟

إنَّ الاعتقادَ الصّحيحَ في الصحابة رضي اللهُ عنهم؛ أنهم بشرٌ يُصيبونَ ويُخطئونَ، وتعتريهم الغفلةُ والنسيان كسائرِ بني الإنسانِ، لا ندَّعي لهمُ العصمةَ مِنَ الذنوب، فالواجبُ ذِكْرُ مَحاسنِهم والتجاوزُ عن مساوئِهم، فوالله! لو قَارَنَّا هذا الخطأَ بما لديهم مِنْ حسناتٍ وأعمالٍ صَالحاتٍ من البَذْلِ والجِهادِ في سبيلِ الله تعالى ونُصرةِ دينهِ؛ لكانتْ كَحَبةِ رَملٍ في جِبَالٍ مِنْ رمالٍ، أو كقطرةِ ماءٍ في عبابٍ.

فإذا صحت الرواية في ميزان الجرح والتعديل، وكان ظاهرها وقوع الخطأ والزلل، فليلتمس المسلم لها أحسن المخارج والمعاذير، قال ابن أبي زيد: (والإمساك عما شجر بينهم، وأنهم أحق الناس أن يلتمس لهم أحسن المخارج ويظن بهم أحسن المذاهب)

وقال ابن دقيق العيد: (وما نقل عنهم فيما شجر بينهم واختلفوا فيه، فمنه ما هو باطل وكذب، فلا يلتفت إليه، وما كان صحيحا أولناه تأويلا حسنا، لأن الثناء عليهم من الله سابق، وما ذكر من الكلام اللاحق محتمل للتأويل، والمشكوك والموهوم لا يبطل المسابق المعلوم).

ومما يدعو للأسف؛ أنّ (البعضَ) يُضَخِّمُ هذه الأخطاءَ، وصار شُغْلُهُ الشاغل البحث والتنقيب عنها بكلِّ سَبيلٍ لغرضٍ في نفسِهِ، وكأنها القضيةُ الفاصلة بين الحقِّ والباطلِ، مَنْ عرفها كان مؤمنًا، ومَنْ أنكرها كان كافرًا أو منافقا !! ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله.

إنّ غيابَ المعلوماتِ الدقيقة الموثقة عما جرى بين الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عنهم ؛ يفرضُ علينا أن نتعاملَ مع تاريخِهم معاملةَ مَنْ زَكَّاهُمُ اللهُ تعالى في كتابهِ الكريمِ ، هذا هو الأصلُ الأصيلُ ، فإن عجزَ الباحثُ والقارئُ عن أنَ يجدَ سندًا صحيحًا لرواية ما ؛ فعنده أصلٌ عامٌ يجبُ أن يتّبعَهُ ، وهو ثناءُ الله سُبْحَانَهُ وتعالَى على ذلك الجيلِ الذي صَحِبَ رَسُولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وجاهد معه لإقامة الدين ، وما كان اللهُ ليثني على قومٍ يعلمُ أنهم لن يكونوا أهلًا لهذا الثناءِ مستقبلًا ، كيف وهو العليمُ الخبيرُ ؟!

مع اعتقادنَا أنهم بشرٌ يتطرقُ إليهم الخطأُ والوهمُ والتقصيرُ شأنهم في ذلك شأن بني البشر.

لكن اتهامَهم بالسُّوءِ، والتحاملَ عليهم، ورميَهُم بالنِّفاقِ وحبِّ السُّلْطَةِ وغيرِ ذلك؛ هو مِنَ التالي على الله ومنازعته في صفةٍ مِنْ صفاتهِ تبارك وتعالى، إذ إنَّ الجَزمَ بهذه الاتهامات يتوقفُ على عِلْمِ الغَيْبِ الذي استأثرَ به اللهُ العليمُ الخبيرُ، فَلا يُطْلِعُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا.

فيجبُ علينَا أن نحذرَ مِنَ الانزلاقِ وراءَ هذه الرواياتِ التي روَّجَ لها بعضُ المستشرقينَ وأصحابُ الأهواءِ، الذين صَوَّروا الخلافَ الذي وقعَ بَيْنَ الأَصْحَابِ رَضِيَ اللهُ عنهم -اعتمادًا على رواياتٍ وَاهِيَةٍ ضعيفةٍ أحيانًا، وبسوءِ نِيَّةٍ أحيانًا أخرى -إلى صُورٍ بِشِعَةٍ تجعلُ منهم متصارعينَ، لا يختلفونَ عن طُلاَّبِ الكُراسي وعُشَّاقِ الزَّعامَةِ.

فحَريٌّ بكُلِّ غيورٍ أن يحرصَ على التَّمحيصِ والتثبت مِنَ الأخبار، فوالله! إنه ليكفينا القليلُ مِنَ التَّاريخِ مِمَّا صَحَّتْ أَسانيدُه، وخلا مِنَ التَّنَاقُضِ والتَّضَارُبِ، فهذا خَيْرٌ مِنْ أنْ يبقَى تاريخُنَا مَحشوًّا بالكثيرِ مِنَ الأكاذيبِ والافتراءاتِ، نهبًا لكلِّ مَنْ أَرَادَ أن يشيعَ الفتنة في صفوفِ الذين آمنوا، وأنْ ينالَ مِنْ مَكانةِ ذلك الجيلِ الفَريدِ، الذي شَهِدَ نورَ النُّبُوَّةِ واتصالَ الأرضِ بالسماءِ، وجَاهَدَ بكُلِّ ما يَمْلِكُ لإعلاءِ هذا الدينِ ونشْرِهِ في سائرِ البقاعِ.

ويَجبُ علينا أَلاَّ نقبلَ مِنْ هذا التُّراثِ إِلاَّ ما صَحَّتْ نسبَتُهُ إلى أصحابهِ، مِنْ قولٍ أو فعلٍ، بعيدًا عن هَالَةِ (التّقديسِ) ورُوحِ (التّضخيمِ)، والمغالاةِ في قيمتِها أوِ التَّنقصِ منها.

فأهلًا بالحقائقِ النَّاصِعَةِ ولو كانتْ قليلةً، وبُعْدًا وسُحقًا للأكاذيبِ والخرافاتِ والأساطيرِ وقَواميسِ المنَاقِبِ والمثَالِبِ مهما تَعَدَّدَتْ مصادرُها ومواردُها، لأنها لا تقوى أمامَ موازين التمحيصِ الصارمة، ومطارق الحَقِّ القاهرة.

والعجب كل العجب ممن يقدمون منهجية البحث العلمي في أمور وافقت حاجة في نفوسهم وينسفونها في باقي الأمر، كما فعل مرتضى العسكري في كتابه “عبد الله بن سبأ” فهو ينكر حقيقة ابن سبأ ويتعذر بحقائق التاريخية والأسانيد الضعيفة مع أنها ثابتة لكن إذا جاء الحديث عن الصحابة فكل شيء مقبول طالما أنه يؤدي الغرض الذي يرتضيه وقس على هذا فأين الدقة التي ينادي بها هؤلاء وأين تلك المنهجية العلمية التي يرفعون شعارها لماذا لا تسحب على باقي الأخبار التاريخية والأحداث المهمة في صدر الإسلام!!