آيات الثناء على الصحابة رضي الله عنهم في سورة الأحزاب (ج1)

قوله تبارك وتعالى : ((النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ … الآية 6 الشاهد في الآية : ((وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ)) فأزواج النبي صلى الله عليه وسلم كأمهات المؤمنين في التحريم والتعظيم ((لكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن وأخواتهن بالإجماع))([1]) وسب أمهات المؤمنين والطعن فيهن إيذاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال تعالى : ((إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا)) 57 الأحزاب. قال الإمام أبو بكر بن العربي – في أحكام القرآن – في تفسير قوله عز وجل في سورة النور : ((يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) -17- قوله تعالى : ((لِمِثْلِهِ)) يعني في عائشة (رضي الله عنها) لأن مثله لا يكون إلا نظير القول في المقول عنه بعينه أو في من كان في مرتبته من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في عرضه وأهله، وذلك كفر من فاعله، قال هشام بن عمار : ((سمعت مالكاً يقول : من سبّ أبى بكر وعمر أُدِّب ومن سب عائشة قتل لأن الله يقول : ((يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) فمن سبّ عائشة فقد خالف القرآن، ومن خالف القرآن قُتِلَ)).

قال أصحاب الشافعي : من سب عائشة أُدِّب كما في سائر المؤمنين، وليس قوله تعالى : ((إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) في عائشة لأن ذلك كفر وإنما هو كما قال : ((لا يؤمن من لا يأمن جاره بوائقه))، ولو كان سلب الإيمان في سب عائشة حقيقة لكان سلبه في قوله صلى الله عليه وسلم : ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن)) حقيقة. قلنا : ((ليس كما زعمتم، إن أهل الافك رموا عائشة المطهرة بالفاحشة فبرأها الله، فكل من سبَّها بما برأها الله منه فهو مكذب لله، ومن كذب الله فهو كافر، فهذا طريق قول مالك. وهي سبيل لائحة لأهل البصائر، ولو أن رجلاً سبَّ عائشة بغير ما برأها الله منه لكان جزاؤه الأدب))([2]) وللقاضي أبى بكر الطيب المالكي في هذه المسألة إستنباط دقيق ممتاز جداً، فقال : ((إن الله تعالى إذا ذكر في القرآن ما نسبه إليه المشركون سبح نفسه لنفسه كقوله تعالى : (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ) – الانبياء 26 – في آي كثيرة وذكر تعالى ما نسبه المنافقون إلى عائشة فقال : ((وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ)) – النور 16 – سبح نفسه في تبرئتها من السوء كما سبح نفسه في تبرئته من السوء وهذا يشهد لقول مالك في قتل من سب عائشة، ومعنى هذا والله أعلم أن الله لما عظَّم سبها كما عظم سبَّه وكان سَبُّها سباً لنبيه وقرن سب نبيه وأذاه بأذاة الله تعالى وكان حكم مؤذيه تعالى القتل كان مؤذي نبيه كذلك))([3]). وننقل هنا هذه الواقعة التي ذكرها الإمام الملالكائي عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني – قاضي القضاة – أنه كان بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان، وكان بحضرته رجل ذكر عائشة (رضي الله عنها) بذكر قبيح من الفاحشة، فقال : يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون : هذا رجل من شيعتنا !، فقال : معاذ الله، هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل : ((الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ … الآية)) – النور 26 – .

فإن كانت عائشة (رضي الله عنها) خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث، فهو كافر فاضربوا عنقه، فضربوا عنقه وأنا حاضر))([4]) ومن إكرامه عز وجل لأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، أن حرم على المؤمنين الزواج منهن بعد وفاته صلى الله عليه وسلم قال تعالى : ((وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَن تَنكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِن بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمًا) الآية 53 – وقبل هذا فإنه من خصائصه صلى الله عليه وسلم لبيان عظيم مكانته وشرفه صلى الله عليه وسلم. والعجب كل العجب ممن يتجاسر على أمهات المؤمنين خاصة الصديقة بنت الصديق وحفصة بنت الفاروق رضي الله عنهم أجمعين ويرميهن بالفاحشة والكفر ويدعي أنه مسلم وما هو إلا زنديق ما أحوج عنقه لسيف كسيف الحسن بن زيد رحمه الله.

قوله تبارك وتعالى : ((لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاء مِن بَعْدُ وَلَا أَن تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا)) .

قال ابن كثير في التفسير : ((ذكر غير واحد من العلماء كابن عباس وغيره أن هذه الآية نزلت مكافأة لأزواجه صلى الله عليه وسلم على حسن صنيعهن في إختيارهن الله ورسوله والدار الآخرة كما خيرهن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما تقدم في الآية (يشير إلى قوله تعالى في نفس السورة : ((يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا … الآية (28)) فكان جزاؤهن أن قصره الله تعالى عليهن وحرم عليه أن يتزوج بغيرهن أو يستبدل بهن أزواجاً غيرهن ولو أعجبه حسنهن، إلا الإماء والسراري فلا حرج عليه فيهن، ثم إنه رفع الحرج في ذلك ونسخ هذه الآية وأباح له التزوج ولكن لم يقع منه بعد ذلك تزوُّج لتكون المنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهن)) والنسخ الذي يشير إليه ابن كثير قوله تبارك وتعالى : ((تُرْجِي مَن تَشَاء مِنْهُنَّ … الآية 51.