هَلْ كَانَ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم يكذِّبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا في الحديث؟

يحتج المعترضون والمشككون في السنة بما نقل عن بعض الصحابة رضي الله عنهم من آثار في نقد بعضهم بعضا، ومن ذلك احتجاجهم بما يلي:
١ – ما نقل من نقد ابن عباس، وعائشة لأبي هريرة. (رضي الله عنهم)
٢ – ما نقل من أن بعض الصحابة كان إذا رُويَ له حديث طلب من المُحَدِّثِ دليلاً على صدقه.
٣ – ما حصل بين عمر رضي الله عنه وفاطمة بنت قيس.
وإليك ما يرد استدلالهم بهذه الأدلة الثلاثة، ويجعل دعواهم عرجاء لا سند لها من التاريخ.

أما أن الصحابة كان يشك في صدق بعض فهذه دعوى لا برهان لها إلا في كتب الروافض من غُلاَةِ الشِيعَة الذين نقلوا عن عَلِيٍّ – رَضِيَ اللهُ عَنْهُ – تكذيبه لمن خالفه من الصحابة وسبه لهم، وإطلاق لسانه فيهم، ولكن النقل الصحيح والتاريخ النزيه عن أهواء ذوي الغايات، يثبت ببيان لا غموض فيه أن الصحابة كانوا أبعد الناس عن أَنْ يَسُبَّ بعضهم بعضاً، أو يشك بعضهم في صدق بعض والأدلة على هذا متوافرة جِدًّا، فقد كان الصحابي إذا سمع من صحابي آخر حَدِيثًا صَدَّقَ به ولم يخالجه الشك في صدقه، وأسنده إلى الرسول كما لو كان سمعه بنفسه. وقدمنا لك القول عن مرسل الصحابي، وذكرنا لك قول أنس: «لَمْ يَكُنْ يُكَذِّبُ بَعْضُنَا بَعْضًا» وقول البراء: «مَا كُلُّ حَدِيثٍ سَمِعْنَاهُ مِنْ رَسُولِ اللهِ – صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كَانَ يُحَدِّثُنَا أَصْحَابُهُ عَنْهُ» مِمَّا يدلك على ثقة الصحابة بعضهم ببعض، ثقة لا يشوبها شك ولا ريبة، لما يؤمنون به من تدينهم بالصدق وأنه عندهم رأس الفضائل، وبه قام الإسلام، وساد أولئك الصفوة المختارة من أهله الأولين.

٢ – وأما طلب بعض الصحابة دليلاً على صدق الحديث، فهو يشير بذلك إلى ما سبق أن ذكرناه في بحث موقف الصحابة مِنَ السُنَّةِ من طلب أبي بكر من المُغيرة من يشهد معه، وطلب عمر من أبي موسى من يشهد معه، وَبَيَنَّا هنا الحكمة التي رمى إليها كل من أبي بكر وعمر في هذين الموقفين، وأثبتا أنهما قَبِلاَ أخبار بعض الصحابة دُونَ أن يطلبا شاهداً آخر، وأن ذلك كان عادتهما التي درجا عليها في قبول الأخبار، ولم يَشُذَّا عنها إلا في مواقف خاصة رميا منها إلى تعليم المُسْلِمِينَ التثبت في الحديث، وكيف يكون عمر شَاكًّا في صدق أبي موسى وهو الذي يقول له: «[أَمَا إِنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ]، وَلَكِنِّي أَرَدْتُ أَنْْ لاَ يَتَجَرَّأَ النَّاسُ عَلَى الْحَدِيثِ عَلَى الْحَدِيث عَنْ رَسُول اللَّه – صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» ثم انظر إلى ما رواه ” مسلم ” من أن أُبَيّاً عاتب عمر على موقفه من أبي موسى وقال له: «لاَ تَكُنْ عَذَابًا عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ – صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» أَلاَ ترى في هذا العتاب الشديد دليلاً على أَنَّ عمر وقف من أحد الصحابة موقفاً لم يكن مألوفاً لديهم.

٣ – وأما موقف عمر من فاطمة بنت قيس فقد قال المؤلف عن ذلك : «وكالذي روي أن فاطمة بنت قيس رَوَتْ أن زوجها طَلَّقَ فَبَتَّ الطلاق فلم يجعل رسول الله – صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – نفقة ولا سكنى، وقال لها: «اعْتَدِّي فِي بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعْمَى»، فردها أمير الؤمنين عمر قائلاً. لا نترك كتاب ربنا وسُنَّةَ نبينا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت، حفظت أم نسيت، وقالت لها عائشة: أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ … الخ».
هذا الحديث مروي في أكثر كتب السُنّة، ومعروف عند الفقهاء، والبحث فيه من وجوه:

أَوَلاًً – أن الصحابة كانوا يتفاوتون في الفهم والدقة في الاستنباط، كما كانت لبعضهم ظروف خاصة يعامله بها الرسول فيحكيها للناس على أنها حكم عام، فيقع بينهم نقاش علمي محض، لا مدخل فيه للنقد المبني على الريبة في الصدق، ولا أثر فيه للتصديق أو التكذيب، فهذا يروي حَدِيثًا فيراه الآخر منسوخاً أو مخصوصاً أو مُقَيَّداً، وهذا يُحَدِّث بحديث فيراه الآخر خَاصًّاً بمن حكم له الرسول – صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ – لظروف خاصة به، وهذا يذكر خبراً فيذكره الآخر على وجه آخر ويحكم عليه بأنه وَهِمَ فيه أو نَسِيَ، أو نقص منه أو ما أشبه ذلك، فكل ما ورد في الآثارعن الصحابة في رَدِّ بعضهم على بعض، واستدراك صحابي على آخر، مَرَدُّهُ إلى ما ذكرناه، وليس معناه تكذيباً من فريق لفريق.

ثَانِياًً – إن قول عمر «لاَ نَدْرْي أَصَدَقَتْ أَمْ كَذَبَتْ» لم يرد في كتاب من كتب الحديث قاطبة، وقد بحثت في كل مصدر استطعت الوصول إليه من مصادر الحديث في مختلف دُورِ الكُتُبِ العامة فلم أعثر على من ذكره بهذا اللفظ، بل الذي فيها ” حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ ” ولم يرد ذلك اللفظ إلا في بعض كتب الأصول، كـ ” مُسَلَّمَ الثُبُوتِ ” مَعْزُواً إلى ” صحيح مسلم “، وليس في ” مسلم ” إلا ” حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ ” وقد نَبَّهَ شارح ” مُسَلَّمَ الثُبُوتِ ” إلى هذا فقال: «وَالمَحْفُوظُ فِي ” صَحِيحِ مُسْلِمٍ” ” حَفِظَتْ أَمْ نَسِيَتْ “». اهـ.

ثَالِثاًً – على فرض صحة هذه العبارة – وهو ما لم يثبت حتى الآن – فكان ينبغي له حمل كلمة «كَذَبَتْ» على الخطأ، وحمل كلمة «صَدَقَتْ» على الصواب، وقد قال ابن حجر: «إِنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ يُطْلِقُونَ «الكَذِبَ» عَلَى الخَطَأِ». اهـ.

رَابِعاًً – إنما رَدَّ عُمَرُ خبر فاطمة، لأنه وجده متعارضاً مع ما صَحَّ عنده من الكِتَابِ وَالسُنَّةُ، ومن المعلوم أن الخبرين إذا تعارضا يصار إلى الأقوى منهما، ومدلول الكتاب أقوى من مدلول السُنَّةِ بيقين، فلا جَرَمَ أن كان متعينا على عمر ترك خبرها والأخذ بما قام عنده من الأدلة، واعتذر عنها بأنها لعلها نسيت فأخبرت بما أخبرت، وليس في هذا تشكيك ولا طعن.

خَامِساًً – إن قول عائشة: «أَلاَ تَتَّقِينَ اللهَ» إنما كان بناء على ما علمته من أن الرسول لم يحكم لها بالنفقة والسكنى لعارض لها خاصة، لا أنه حكم عام في كل مُطَلَّقَةٍ مَبْتُوتَةٍ، فلما رأتها تُحَدِّثُ الناسَ بما حكم لها الرسول على أنه حكم عام.

والذي اتضح لنا بعد أن رددنا شُبَهَ المؤلف واحدة بعد أخرى، أنه لم ينفع من الصحابة شك ولا نقد قائم على التكذيب من فريق نحو فريق، وكل ما أثر عنهم – مِمَّا ذكره المؤلف وما لم يذكره – لا يخرج عن كونه نقاشاً علمياً في فهم الحديث، أو يكون تعليماً للجيل الناشئ لينشأ على ما كان عليه الصحابة من التَحَرِّي وَالتَثَبُّتِ، وكل ذلك يدل على حرصهم على الحق، وإخلاصهم للعلم، واهتمامهم بحديث رسول الله – صَلََّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وتأديته إلى الأُمَّةِ من بعدهم خالياً من اللُبْسِ والوهم، فرضي الله عن هذا الجيل الممتاز في تاريخ الإنسانية وجزاهم عنا أكمل الجزاء.