نقد دعوى أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ في صلح الحديبية

نقد دعوى أن الصحابة -رضي الله عنهم- لم يمتثلوا أمر النبي ﷺ في صلح الحديبية والرد عليه

قال الطاعن في الصحابة رضي الله عنهم:
(الصحابة في صلح الحديبية)، وبعد أن ذكر خبر الصلح، قال:
«لكن بعض الصحابة لم يعجبهم هذا التصرف من النبي ﷺ، وعارضوه معارضة شديدة، وجاءه عمر بن الخطاب فقال: ألست نبي الله حقاً؟ قال: بلى، قال: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: بلى، قال: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال رسول الله ﷺ: إني رسول الله ولست أعصيه، وهو ناصري. قال عمر: أولست كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف؟ قال: بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه العام؟ قال: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به…».
ثم قال:
«ولما فرغ رسول الله ﷺ من كتاب الصلح قال لأصحابه: قوموا فانحروا ثم احلقوا، فوالله ما قام منهم رجل، حتى قال ذلك ثلاث مرات. فلما لم يمتثل لأمره منهم أحد، دخل خباءه ثم خرج، فلم يكلم أحداً منهم بشيء، حتى نحر بدنة بيده، ودعا حالقه فحلق رأسه، فلما رأى أصحابه ذلك قاموا فنحروا، وجعل بعضهم يحلق بعضاً حتى كاد بعضهم يقتل بعضاً».

الجواب:
ما ذكره من مراجعة عمر للنبي ﷺ، وتوقف الصحابة في النحر والحلق في بداية الأمر، ثابت وصحيح في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث (انظر: البخاري ح2731-2732؛ مسلم ح1785؛ أحمد 3/486). لكن لا مطعن في ذلك على الصحابة، بل يحمل على وجه حسن يوافق مقاماتهم العالية.
أولاً: مراجعة عمر للنبي ﷺ
الرسول ﷺ رأى في المنام أنه دخل مكة وطاف بالبيت، فأخبر أصحابه بذلك وهم في المدينة. فلما ساروا معه عام الحديبية ظن بعضهم أن دخولهم مكة سيكون هذا العام. فلما تمّ الصلح واشتمل على الرجوع دون عمرة، شق ذلك عليهم، فجعل عمر رضي الله عنه يسأل النبي ﷺ عن ذلك، لا لشك في نبوته أو اعتراض عليه، بل استفساراً وحثاً على عزّ الإسلام.
قال النووي:
«لم يكن سؤال عمر شكاً، بل طلباً لكشف ما خفي عليه، وحثاً على إذلال الكفار وظهور الإسلام، كما عرف من خلقه رضي الله عنه» (شرح مسلم 12/141).
ونقله ابن حجر أيضاً عن شراح الحديث (فتح الباري 5/346).
بل إن عمر كان يجتهد في نصرة الدين، ويرى في المواجهة حينها قوة للمسلمين، فرغب أن لا يرجعوا. فلما أيقن بأن النبي ﷺ ماضٍ في أمر الله، رجع إلى طاعته، ولم يعنّفه النبي ﷺ، لعلمه بنيته الطيبة.
ثانياً: توقف الصحابة عن النحر والحلق
الصحابة لم يعصوا أمر النبي ﷺ، وإنما توقفوا لعدة احتمالات، كما بين العلماء:
قال ابن حجر:
«قيل إنهم توقفوا لاحتمال أن يكون الأمر للندب، أو لرجاء نزول وحي يغيّر الصلح، أو تخصيصهم بإذن للدخول… أو تأثروا من صورة الحال ومظاهر الذل أمام قريش، مع علمهم بقوتهم…» (فتح الباري 5/347).
ويحتمل أيضاً أنهم ظنوا أن النبي ﷺ سيتحلل وهم لا يتحللون، فأرادوا التأسي به. فلما رأوه يتحلل، بادروا.
وفي رواية: أن النبي ﷺ دخل على أم سلمة يشكو تأخرهم، فقالت:
«يا رسول الله لا تكلمهم، فإنهم قد دخلهم أمر عظيم… ولكن اخرج، فانحر بدنك، واحلق، ولا تكلم أحداً»، ففعل ﷺ، فلما رأوه، بادروا إلى النحر والحلق (انظر: البخاري، كتاب الشروط، 5/332).
وقال ابن حجر:
«ويحتمل أنهم رأوا أن النبي ﷺ فعل خلاف ما أمرهم به أولاً، فظنوا أن في فعله نسخاً للأمر الأول…» (فتح الباري 5/347).
ونظير ذلك ما حدث في فتح مكة، حين أمرهم بالإفطار، فتأخروا، فشرب ﷺ جهراً فشربوا (نفس المصدر).
ثالثاً: تأكيد براءة الصحابة من الشبهة
مثل ما حدث في عمرة الحديبية، وقع أيضًا في الحج: لما أمرهم النبي ﷺ أن يتحللوا ويجعلوها عمرة، استثقلوا ذلك، فقال ﷺ: (أيها الناس أحلوا، فلولا أن معي الهدي لفعلت)، فقال جابر: (فحللنا وسمعنا وأطعنا) (رواه البخاري ومسلم).
وهذا يدل على أن تأخرهم في الامتثال لم يكن عن معصية، بل عن اجتهاد، وحرص على التأسي برسول الله ﷺ.
ويضاف إلى ذلك:
ما وقع من الصحابة كان بحضور النبي ﷺ، فهل ذمّهم؟ كلا.
هل نزل وحي يذمهم؟ لا.
هل أنكر عليهم الصحابة الآخرون؟ لا.
هل عاتبهم النبي ﷺ؟ لا.
بل العكس، أثنى الله عليهم:
قال تعالى:
{لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم، وأثابهم فتحاً قريباً} (الفتح: 18).
وجاء في الحديث:
(لا يدخل النار إن شاء الله أحد ممن بايع تحت الشجرة) (رواه مسلم ح2496).
وكان عددهم يوم الحديبية (1400 صحابي)، كما قال جابر: (وعمر آخذ بيده تحت الشجرة) (مسلم ح1856).
فإذا ما وقع من عمر أو الصحابة رضي الله عنهم ليس تردداً عن الحق أو تمرداً، بل اجتهاد، وغيرة على الدين، وحرص على التأسي، وتأخرٌ لسببٍ شرعي، ثم طاعة واضحة وجلية بعد اتضاح المراد. ولم يعاتبهم الله ولا رسوله، بل أثنى عليهم، فدلّ ذلك على طهارتهم وبراءتهم، وأن الطاعن فيهم كاذب مفترٍ.