أبو هريرة رضي الله عنه [9]: الحِكم المأثورة: دروس في الإيمان والزهد

خلّف أبو هريرة رضي الله عنه تراثًا عامًا من الأقوال الحكيمة والمواعظ البليغة التي تكشف عن قوة إيمانه بالله تعالى، وعمق يقينه باليوم الآخر وما فيه من حساب وثواب وعقاب. كما تُظهر هذه الأقوال سعة إدراكه لمعاني الدين، وفهمه لطبيعة الدنيا ومآلاتها، وزهده فيها. وتمثل هذه الكلمات دروسًا باقية تفيض بالعظة وتزدحم بالمعاني السامية، ومن خلالها نلمس جانبًا مهمًّا من شخصيته الإيمانية والروحية.
ومن أقواله ما رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن حين دعا له بالشفاء، فقال له أبو هريرة: «يا أبا سلمة، إن استطعت أن تموت فمت، فوالذي نفس أبي هريرة بيده ليوشكن أن يأتي على العلماء زمن يكون الموت أحب إلى أحدهم من الذهب الأحمر، أو ليوشكن أن يأتي على الناس زمان يأتي الرجل قبر المسلم فيقول: وددت أني صاحب هذا القبر»(1).
وهذا القول يصور بوضوح بصيرته بالفتن وتغير أحوال الناس، واستشرافه لزمن يشتد فيه البلاء حتى يتمنى بعضهم الموت طلبًا للراحة.

وروي عنه أيضًا أنه كان له خادمة زنجية أرهقها العمل، فرفع عليها السوط يومًا، ثم تراجع قائلاً: «لولا القصاص لأغشيتك به، ولكن سأبيعك ممن يوفّيني ثمنك، اذهبي فأنت لله»(2).
وفي هذا الموقف تظهر رقة قلبه وعدله وخشيته لله تعالى حتى في لحظة غضب، إذ امتنع عن ضربها خشية القصاص، ثم أعتقها لوجه الله.
ومن كلماته التي تدل على زهده قوله: «إنّ هذه الكناسة مهلكة دنياكم وآخرتكم» وكان يقصد بذلك الأموال والشهوات التي قد تُفسد القلب وتشغل عن الآخرة.
وروي عن معمر أنه قال: كان أبو هريرة إذا مرت به جنازة قال: «روحوا فإنا غادون، أو اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة، وغفلة سريعة، يذهب الأول ويبقى الآخر لا عقل له»(3).
وهذه الكلمات تذكير عميق بحقيقة الدنيا وقصر الأمل وسرعة الرحيل.

ومن حكمه أيضًا أنه حين سأله أحد أهل المدينة—وكان قد بنى دارًا—عمّا يكتب على بابها، قال له أبو هريرة: «اكتب عليها: ابنِ للخراب، ولِدْ للثُّكل، واجمع للوارث»(4). وهي كلمات تجمع خلاصة الموعظة؛ فكل بناء إلى خراب، وكل مولود إلى موت، والمال مصيره للورثة مهما طال أمده.

وقال كذلك: «ما وجع أحب إليّ من الحمى، لأنها تعطي كل مفصل قسطه من الوجع، وإن الله تعالى يعطي كل مفصل قسطه من الأجر»(5).
وفي ذلك احتساب الألم، ورؤية ثواب المرض بمنظار المؤمن الصابر. ومن أجمل أقواله في مرضه قوله: «اللهم إني أحب لقاءك، فأحبّ لقائي»(6).
وهذا يعبر عن رغبته الصادقة في نيل رضا الله والقدوم عليه طائعًا راضيًا.

كما أوصى ابنته فقال لها: «لا تلبسي الذهب، فإني أخشى عليك اللهب». ونهْيُه هنا كان عن ورع زاهد، لئلا يدفعها الذهب إلى الترف أو الفتور عن الطاعة، لا لأنه يرى تحريم الذهب على النساء، فقد بقي حكم التحلي به جائزًا عنده وعند جمهور الصحابة والتابعين ما لم يكن للتفاخر أو الكِبر، فإنه حينئذٍ يُمنع، كما في النهي عن جر الثوب خيلاء(7).
وهذه الأقوال جميعها تكشف عن عالمٍ عميق، وواعظٍ بصير، وزاهدٍ في دنياه، يحمل قلبًا يعمره الإيمان والخشية، ويضيئه اليقين.

المراجع

(1) ابن سعد: الطبقات 4/337.
(2) أبو نعيم: الحلية 2/384، وابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692.
(3) ابن كثير: البداية 8/114-115.
(4) أبو نعيم: الحلية 2/385.
(5) ابن الجوزي: صفة الصفوة 1/692.
(6) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/625، وابن كثير: البداية والنهاية 8/118.
(7) الذهبي: سير أعلام النبلاء 2/629.