أبو هريرة رضي الله عنه [8]: حرصه على اتباع سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم

كان أبو هريرة رضي الله عنه من أكثر الصحابة حرصاً على اتباع سنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم في كل شأن من شؤون حياته، فقد تجلّى ذلك في سلوكه العملي والتزامه الدقيق بما قاله رسول الله وما فعله، امتثالاً لقول الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7].
وقد كان أبو هريرة يرى أن محبته الصادقة للنبي صلى الله عليه وسلم لا تكتمل إلا بالاقتداء به، ولذلك ملأ اتباعه قلبه وجوارحه، كما امتلأت قلوب أصحاب النبي جميعاً بمحبة صادقة جعلتهم أعظم الناس تمسكاً بالهدي النبوي.

ومن أظهر ما يدل على هذا الالتزام ما رواه عن نفسه بقوله: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر»(1).
فتعبيره خليلي يدل على عمق الارتباط الروحي والوجداني برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأكد أنه لا يترك هذه السنن ما دام حياً، لأن النبي أوصاه بها ورغّبه فيها.

كما ظهر اقتداؤه بالنبي ص في حرصه على أداء الصلاة على النحو الذي كان يؤديه رسول الله، ولهذا قال: «أنا أشبهكم صلاة برسول الله ص…» ثم وصف صلاته فقال: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قال: سمع الله لمن حمده، قال: ربنا ولك الحمد، وكان يكبر إذا ركع، وإذا رفع رأسه، وإذا قام من السجدتين قال: الله أكبر»(2).
وهذا النقل الدقيق لحركات الصلاة يدل على أنه كان يراقب أفعال النبي ص بعين المحبّ المتتبع، ليطبّقها كما رآها تماماً.

ومن شدة حرصه على الاقتداء، أنه وكما قال: «لقد كنت أستن قبل أن أنام وبعد ما أستيقظ، وقبل ما آكل، وبعد ما آكل، حين سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما قال»(3).
وهذا يبرز مدى حرصه على تطبيق الهدي النبوي حتى في السنن اليومية الصغيرة، التي قد يغفل عنها كثير من الناس.

كما روي عنه أنه مرّ بقوم وبين أيديهم شاة مصلية فدعوه إلى الطعام، فأبى أن يأكل، وقال: «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير»(4).
فكان تركه للأكل هنا اتباعاً لما عرفه من حال النبي ص وزهده، واستحضاراً لورعه وتقشفه، ما يدل على عمق تأثره بسيرة النبي وحرصه على موافقة هديه ما استطاع.

إن مجموع هذه المواقف وغيرها يشهد بأن اتباع أبي هريرة للنبي ص لم يكن قالباً شكلياً، ولا تجربة مؤقتة، بل كان منهج حياة كاملًا، يظهر في عبادته، وفي أكله وشربه، وفي سننه اليومية، وفي جميع معاملاته. فهو صورة ناصعة من صور الصحابي الذي امتلأ قلبه بمحبة الرسول، فانصرف في كل شؤونه إلى العمل بما أرشد إليه النبي، قولاً وفعلاً وسلوكاً.

المراجع

(1) صحيح مسلم ح (721).
(2) أحمد: المسند 16/111.
(3) أحمد: المسند 18/16.
(4) البخاري 6/205 – كتاب الأطعمة.