أبو هريرة رضي الله عنه [12] : عدالة وضبط أبو هريرة: الأساس الذي بُني عليه حكم المحدثين

لا يكفي أن يكون الراوي كثير الرواية وحسن الحفظ لقبول أحاديثه، بل لا بد أن تتوفر فيه شروط أخرى تجعله موثوقاً وأميناً على نقل دين الله. من أهم هذه الشروط العدالة والضبط. وأبو هريرة رضي الله عنه قد تحقق فيه كلا الشرطين بدرجة عالية جداً، بل اتفق العلماء على أن توافرهما فيه أمر لا شك فيه.

العدالة: الأساس الأول
ثبتت العدالة لأبي هريرة رضي الله عنه بتعديل الله تعالى العام لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعديل النبي صلى الله عليه وسلم لهم في آيات وأحاديث كثيرة. جاء هذا التعديل الإلهي تقديراً لما كانوا عليه من صدق الإيمان وحسن الاتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وما قاموا به من جهود وتضحيات لنصرة الإسلام وإعلاء كلمته.

قال الخطيب البغدادي: “على أنه لو لم يرد من الله تعالى ورسوله فيهم شيء مما ذكرنا لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال، وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين، وقوة الإيمان واليقين: القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم، وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيئون بعدهم”1. فالصحابة رضوان الله عليهم بمجرد موقفهم وتضحياتهم من أجل نشر الإسلام كانوا جديرين بأن يُحكم لهم بالعدالة.

ولم يثبت من خلال سيرة أبي هريرة رضي الله عنه شيء ينافي هذه العدالة من ردة أو كذب أو نفاق أو غيره مما نعيذه بالله تعالى منه. ومما يؤكد ذلك الإجماع على قبول روايته وثقته، فقد روى عنه مئات من ثقات التابعين والصحابة، وهذا في حد ذاته إثبات قاطع لعدالته.
كما أن علماء الجرح والتعديل يثبتون العدالة للراوي من غير الصحابة برواية عدلين عنه وتوثيقهم له، ومنهم من اكتفى بتعديل واحد. فكيف بمن روى عنه أكثر من عشرين صحابياً ومئات من ثقات التابعين ووثقوه جميعاً؟

من ذلك ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما من قوله لأبي هريرة: “أنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحفظنا لحديثه”، وقول طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه: “لا أشك أن أبا هريرة سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم ما لم نسمع”، وما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال لرجل سأله عن شيء: “عليك أبا هريرة”. هذه الشهادات من أكابر الصحابة تدل على أن أبا هريرة كان موثوقاً معروفاً بالصدق والأمانة بينهم.
لهذا كله أجمع العلماء من المحدثين وغيرهم على تعديل أبي هريرة مع غيره من الصحابة رضوان الله عليهم، وقبول ما صحت نسبتها إليه من روايات. أما ما لم تصح نسبتها إليه فهي مردودة لا يحتج بها مثل غيرها من الروايات الضعيفة والموضوعة المنسوبة إلى غيره من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم.

الضبط: الشرط الثاني
إذا كانت العدالة قد تحققت لأبي هريرة بكل الاعتبارات المتقدمة، فإن الضبط التام قد تحقق له أيضاً. وقد شهد بذلك تلاميذه وغيرهم من المختبرين لحفظه وضبطه، حيث قام بعض الصحابة والتابعين باختباره بطرق مختلفة تكشف عن مدى حفظه وتمسكه برواياته.
روى البخاري ومسلم وأحمد عن أبي حازم قال: “قاعدت أبا هريرة خمس سنين فسمعته يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلف نبي، وأنه لا نبي بعدي… الحديث”2. أي أنه لم يزد فيه ولم ينقص منه على مدى خمس سنين، مما يدل على دقة حفظه الاستثنائية.

وروى الحاكم عن كاتب مروان بن الحكم أمير المدينة قال: “إن مروان دعا أبا هريرة فأقعدني خلف السرير وجعل يسأله، وجعلت أكتب حتى إذا كان عند رأس الحول دعا به فأقعده وراء الحجاب، فجعل يسأله عن ذلك فما زاد ولا نقص، ولا قدم ولا أخر”3. وكان ذلك من مروان اختباراً لحفظ أبي هريرة، حيث أعاد السؤال بعد سنة كاملة فوجده يعطي نفس الإجابة بنفس الترتيب والصيغة، وهذا دليل واضح على تمام حفظه وضبطه.

ومما يشهد لتمام حفظه وضبطه أيضاً ما تقدم عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: “يا أبا هريرة أنت كنت ألزمنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأحفظنا لحديثه”4. وما روي عن الأعمش عن أبي صالح قال: “كان أبو هريرة رضي الله عنه من أحفظ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم”5.

هذه الروايات وغيرها من الروايات المتقدمة الدالة على حفظه جعلت العلماء يثقون بحفظ أبي هريرة وضبطه، ويعتنون برواياته بعناية فائقة. كان من عنايتهم بها موازنتهم بين أسانيدها من حيث التفاوت في الصحة. فقيل: “أصح أسانيد أبي هريرة: الزهري عن سعيد بن المسيب عنه، وقيل أبو الزناد عن الأعرج عنه، وقيل: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة”. ومنهم من قال: “إن أصح أسانيد اليمانيين معمر عن همام عن أبي هريرة”.

وقال أحمد بن صالح المصري: “أثبت أسانيد أهل المدينة: إسماعيل بن أبي حكيم، عن عبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة”. وقال أبو بكر البرديجي: “أجمع أهل النقل على صحة أحاديث الزهري عن سالم، عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة”6.

أياً ما قيل، فإن هذه الأقوال والاختلافات الطفيفة تدل على أهمية روايات أبي هريرة واهتمام المحدثين الواضح بها: حفظاً ووعياً وتدويناً. لقد أخرجها أئمة المحدثين في كتبهم الموثوقة، فالكتب الستة وغيرها من الكتب المشهورة والمتداولة، اعتمدت روايات أبي هريرة بلا نكير عندهم، فلا تكاد تجد باباً من أبواب العلم الشرعي إلا وله فيه حديث أو أكثر.

فلا التفات إذاً إلى التشكيك به أو بما صحت نسبته إليه من روايات من قبل من توارثوا سوء الظن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من رددوا مفترياتهم من الجاهلين بسيرة هذا الصحابي الجليل، والمستخفين بشرف صحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قدم أبو هريرة لهذا الدين ما لم يقدم مثله أحد، حيث حفظ وروى ودوّن الأحاديث التي بنى عليها المسلمون علمهم وفتاويهم عبر القرون.
إن اتفاق علماء الأمة من الصحابة والتابعين والمحدثين على عدالة أبي هريرة وضبطه هو خير دليل على أن أحاديثه من أصح مصادر السنة النبوية، وأن الأمة الإسلامية كانت على حق عندما احتجت برواياته، واعتمدت عليها في استنباط الأحكام الشرعية عبر العصور.

المراجع:
1/ الخطيب: الكفاية 94
2/ أحمد: المسند 15/109، والبخاري: فتح الباري 6/350، ومسلم 2/87
3/ الحاكم: المستدرك 3/510، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي عليه
4- الترمذي: السنن 5/348، والحاكم: المستدرك 3/511
5/ الحاكم: المستدرك 3/509
6/ الحاكم: معرفة علوم الحديث 55، والسيوطي: تدريب الراوي 1/46-48