من أهمّ أحداث خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه [2] : وقعة جرجير والبربر.
تُعد وقعة جرجير سنة 27 هـ من أعظم المعارك التي وقعت في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومن أبرز الوقائع التي رسّخت الوجود الإسلامي في بلاد إفريقية، وحسمت الصراع العسكري لصالح المسلمين في تلك الديار.
فقد خرج المسلمون في جيش قوامه عشرون ألف مقاتل إلى إفريقية بقيادة عبد الله بن سعد بن أبي السرح، وكان في جيشه كبار الصحابة، منهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم. فخرج إليهم ملك البربر جرجير في جيش ضخم قُدِّر بمئةٍ وعشرين ألف مقاتل، وقيل مئتي ألف، في مشهد يعكس اختلال ميزان العدد لصالح البربر.
ولما تراءى الجمعان، أحاط جيش جرجير بالمسلمين إحاطة شديدة كالهالة، حتى وقف المسلمون في موقف بالغ الخطورة. وفي هذا الموقف العصيب برزت بطولة عبد الله بن الزبير رضي الله عنه، إذ رأى جرجير من خلف الصفوف راكبًا على برذون تحف به جاريتان، فتقدم إلى القائد وطلب منه رجالًا يحفظون ظهره، ثم اخترق الصفوف حتى وصل إلى الملك، وكان الناس يظنون أنه رسول، فلما أحس جرجير بالخطر فرّ، فلحقه عبد الله بن الزبير، فطعنه برمحه، وأجهز عليه بسيفه، ثم أخذ رأسه ورفعه على رأس الرمح مكبرًا.
فلما رأى البربر مقتل ملكهم، دبّ الرعب في قلوبهم، ففرّوا فرارًا شديدًا، وتبعهم المسلمون قتلاً وأسرًا، وغنموا غنائم عظيمة، وكان ذلك في موضع يُسمى سبيطلة قرب القيروان، فكان هذا اليوم يومًا مفصليًا في تاريخ إفريقية الإسلامية، وأول موطن اشتهر فيه أمر عبد الله بن الزبير رضي الله عنه.
وقد شكّلت هذه الوقعة تحولًا حقيقيًا في ميزان القوة بالمنطقة، حيث انتقلت المبادرة العسكرية إلى المسلمين، وكان سببا في نشر الإسلام وانتشاره في إفريقيا.
الهوامش:
(1) البرذون: الخيل غير العربي. « لسان العرب » (13/51).
(2) « البداية والنهاية » أحداث سنة 27 هـ، وقعة جرجير والبربر.
وانظر: « تاريخ خليفة بن خياط » (1/34).