المبشّرون بالجنّة من الصحابة الكرام (4): جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه
جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه هو جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، أبو عبد الله، ابن عم النبي ﷺ، والملقب بـ “ذي الجناحين”. هو الصحابي الجليل وأحد السابقين الأولين إلى الإسلام، وشقيق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، وقد آخى النبي ﷺ بينه وبين معاذ بن جبل. عُرف جعفر بجميل سجاياه وطيب معشره، حتى قال فيه أبو هريرة رضي الله عنه: “كان جعفر أخير الناس للمسكين” [1]، بل ورفعه مقاماً علياً حين قال: “ما احتذى النعال ولا ركب المطايا ولا وطئ التراب بعد رسول الله ﷺ أفضل من جعفر بن أبي طالب” [2]. ومن أعظم مناقبه قول النبي ﷺ له: “أشبهت خَلْقي وخُلُقي” [3]. وقد كان لجعفر دور تاريخي بارز حين هاجر إلى الحبشة، فكان سبباً في إسلام النجاشي ومن تبعه، وأقام هناك حتى هاجر إلى المدينة، فقدم على النبي ﷺ وهو بخيبر، وهي وقائع مشهورة في المغازي بروايات صحيحة. ولِعِظَم قدره في نفوس آل البيت، روي عن ابنه عبد الله بن جعفر قوله: “ما سألت علياً فامتنع، فقلت له: بحق جعفر، إلا أعطاني” [4].
وفي السنة الثامنة للهجرة، في شهر جمادى الأولى، نال جعفر شرف الشهادة في غزوة مؤتة بأرض الشام، مقبلاً غير مدبر وهو يجاهد الروم، وكان حينها أسنَّ من أخيه علي بعشر سنين، فاستوفى الأربعين من عمره وزاد عليها على الصحيح. وقد نقل لنا ابن عمر رضي الله عنهما مشهداً من بسالته قائلاً: “كنت معهم في تلك الغزوة، فالتمسنا جعفراً فوجدنا فيما أقبل من جسمه بضعاً وتسعين بين طعنة ورمية” [5]. وبشره النبي ﷺ بالجنة، ففي الصحيح عن ابن عمر أنه كان إذا سلم على عبد الله بن جعفر قال: “السلام عليك يا ابن ذي الجناحين” [7]، وذلك لما قاله النبي ﷺ: “رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة” [6]. وقد خيّم الحزن على بيت النبوة باستشهاده، حتى قالت عائشة رضي الله عنها: “لما أتى وفاة جعفر عرفنا في وجه رسول الله ﷺ الحزن” [8]. وقد رثاه حسان بن ثابت في قصيدة بليغة يذكر فيها أبطال مؤتة قائلاً:
رأيـت خـيـار المــؤمنـــيـن تـــواردوا … شعـوبَ وقـد خُـلِّفـتُ مـمـن يَــؤخَّــر
فـــلا يُبْـعَـدنَّ اللهُ قــتلـى تــتابـعـــوا … بمـؤتـة منـهـم ذو الجـَنـاحـيـن جَعـفـرُ
وزيـد وعـــبد الله حــيـن تتـــابعـــوا … جميعــــا وأســـباب المنيـــــة تَخْطِـــــرُ
وكنــنا نـرى فـــي جـعفرٍ مـن مـحــمد … وفــــاءً وأمــراً صــارمـا حـيـن يـؤمـرُ
فـــلا زال في الإسلام مــن آل هـاشــم … دعــائم عِزِّ لا تـــــزول ومَفــْـخَــــــرُ
وقد وردت البشارة لجعفر بالجنة في أحاديث متعددة، منها ما رواه الترمذي بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: “رأيت جعفراً يطير في الجنة مع الملائكة”، وعلى الرغم من تضعيف الترمذي لهذا الإسناد بخصوص عبد الله بن جعفر والد يحيى بن المديني، إلا أن الحديث له شواهد تعضده [10]. ومنها ما رواه الطبراني وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: “دخلت الجنة البارحة فنظرت فيها، وإذا جعفر يطير مع الملائكة”، وفي رواية أخرى وصفه بأنه “ملك يطير في الجنة، ذا جناحين يطير بهما حيث يشاء، مقصوصة قوادمه بالدماء”، وهو حديث صححه الهيثمي في المجمع من أحد طريقيه [11]. فرحم الله جعفراً الطيار، الذي نال هذه المنزلة الرفيعة بصدق إيمانه وبذل مهجته في سبيل الله [9].
الهوامش:
[1] أخرجه البخاري (3505).
[2] أخرجه أحمد (9342)، والترمذي (3764)، والنَّسائي في الكبرى (8157).
[3] أخرجه البخاري (2698)، والترمذي (3769) من حديث البراء.
[4] أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة (2/1142)، والطبراني في الكبير (2/109).
[5] المعجم الكبير للطبراني (2/106).
[6] أخرجه الترمذي (5/654).
[7] رواه البخاري (3506)، والنسائي في الكبرى (5/47).
[8] أخرجه الطبرانى في المعجم الكبير (2/108)، والحاكم (2/231).
[9] انظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (1 / 485).
[10] سنن الترمذي (5/654)، وانظر المعجم الكبير للطبراني (1466).
[11] رواه الطبراني في الكبير (1448)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة (1339)، ومجمع الزوائد للهيثمي (9/443).