المبشّرون بالجنّة من الصحابة الكرام (6): حذيفة بن اليمان رضي الله عنه

إنّه الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان العبسي رضي الله عنه والذي يعدّ من كبار أصحاب رسول الله ﷺ وأعظمهم شأناً، وهو حذيفة بن حُسيل (ويُقال حَسيل) بن جابر بن عبس، المعروف باليمان العبسي. وتعود قصة تلقب والده بـ “اليمان” إلى أن والده كان قد أصاب دماً في قومه فهرب إلى المدينة المنورة، وهناك حالف بني عبد الأشهل من الأنصار، فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية. وقد نشأ حذيفة في بيئةٍ مؤمنة، حيث أسلم هو وأبوه وهاجرا بقلوبهما إلى الله ورسوله، وعلى الرغم من أنهما أرادا شهود بدر إلا أن المشركين صدهما عن ذلك، ثم قُدّر لهما شهود أحد، وفيها نال والده شرف الشهادة [1]. وقد كان حذيفة رضي الله عنه غزيراً في روايته عن النبي ﷺ، مستوعباً لسنته وهديه، مما جعله مرجعاً لأصحاب النبي من بعده [2].

لقد امتازت مسيرة حذيفة بن اليمان بالبلاء الحسن في الفتوحات الإسلامية، فكان له في فتوح العراق آثارٌ شهيرة وقصصٌ في البطولة لا تُنسى؛ حيث شهد معركة نهاوند الفاصلة، ولما استشهد القائد النعمان بن مقرن تسلّم حذيفة الراية ببراعة، وتم على يديه فتح همذان والري والدينور، وكانت معظم فتوحاته الكبرى في سنة اثنتين وعشرين للهجرة [3]. ونظراً لكفاءته وصدقه، استعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه والياً على المدائن، فظل بها حاكماً عادلاً حتى وافته المنية بعد مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه بأربعين يوماً، وذلك في سنة ست وثلاثين للهجرة [1].

ولعلَّ أعظم ما عُرف به حذيفة في مدونات السير هو لقبه الفريد “صاحب سر رسول الله ﷺ”، فقد اختصه النبي ﷺ بمعرفة أسماء المنافقين وما سيقع من الفتن، مما جعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسأله دوماً عن حال المنافقين ويراقبه؛ فإذا مات ميتٌ ولم يشهد حذيفة جنازته، تورع عمر عن شهودها [2]. وقد بلغت ثقة عمر فيه حداً جعله يتمنى رجالاً من أمثاله؛ ففي أثرٍ شهير، قال عمر لأصحابه يوماً: تمنوا، فتمنوا ملء البيت الذي هم فيه جوهراً لينفقوه في سبيل الله، فقال عمر: “لكني أتمنى رجالاً مثل أبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وحذيفة، فأستعملهم في طاعة الله تعالى” [4]. وكان حذيفة رضي الله عنه حكيماً بصيراً بمواطن الشر ليتقيها، فكان يكثر سؤال النبي ﷺ عن أحاديث الفتن، وسأله رجلٌ يوماً عن أشد الفتن، فأجابه بحكمةٍ بالغة: “أن يُعرض عليك الخير والشر، ولا تدري أيهما تترك” [5].

أما البشارة العظيمة لحذيفة بالجنة ومرافقته للنبي ﷺ، فقد تجلت في أبهى صورها خلال ليلة الأحزاب الموحشة؛ فبينما كان المسلمون في بردٍ شديد وريحٍ عاصفة، نادى رسول الله ﷺ في أصحابه ثلاثاً: “ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة؟” فحبست الشدةُ الأنفاس، حتى اختار النبي حذيفة باسمه، فما كان منه إلا الطاعة والامتثال [6]. ويروي حذيفة تلك اللحظات بصدقٍ قائلاً إنه شعر عند انطلاقه كأنما يمشي في حمامٍ (أي دفء) حتى أتى معسكر المشركين، ورأى أبا سفيان، وكاد أن يرميه بسهمه لولا عهده للنبي ﷺ ألا يذعرهم، فعاد بخبر رحيلهم، فبشره النبي ﷺ بتلك المنزلة الرفيعة التي جعلته ينام قرير العين تحت عباءة رسول الله ﷺ حتى أصبح، منادياً إياه بـ “نومان” في مودةٍ نبويةٍ غالية [6].

الهوامش:
[1] انظر: الثقات للعجلي (1/289)، والطبقات الكبرى لابن سعد.
[2] يُنظر: الإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (2/44).
[3] الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (1/99).
[4] انظر: أسد الغابة في معرفة الصحابة لابن الأثير (1/248).
[5] تهذيب الأسماء واللغات للنووي (1/215)، ومصنف ابن أبي شيبة (7/503).
[6] أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الأحزاب (1788).