المبشّرون بالجنّة من الصحابة الكرام (5): حارثة بن سراقة رضي الله عنه
يُعد الصحابي الجليل حارثة بن سراقة رضي الله عنه أحد الوجوه الأنصارية النضرة التي سطرت بدمائها أولى صفحات التضحية في تاريخ الإسلام العظيم، فهو حارثة بن سراقة بن الحارث بن عدي بن مالك بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، ينتمي إلى بني النجار من الخزرج، وهم أخوال النبي ﷺ وأحد أعرق بيوت الأنصار. ولم تقتصر شرافة نسبه على والده، بل كانت أمه هي الصحابية “الرُّبيّع بنت النضر”، عمة خادم رسول الله ﷺ أنس بن مالك، مما جعل حارثة يتربى في بيتٍ عامرٍ بالإيمان والقرابة من أهل بيت النبوة. وقد وثّق النبي ﷺ عُرى انتمائه للمجتمع الجديد في المدينة المنظمة حين آخى بينه وبين المهاجريِّ السائب بن عثمان بن مظعون الجمحي، ليكون هذا الرباط تجسيداً لوحدة الصف بين المهاجرين والأنصار في تلك المرحلة الحرجة من عمر الدعوة [1].
لقد كان خروج حارثة رضي الله عنه إلى غزوة بدر الكبرى خروج الشاب الطامح لنصرة دينه، ورغم أنه لم يكن في قلب المواجهة المباشرة حينها، بل خرج “نظّاراً” يرقب القوم، إلا أن القدر كان يخبئ له مقاماً رفيعاً؛ فبينما هو يشرب من الحوض، أصابه سهمٌ طائش (سهم غرب) أطلقه حبان بن العرقة، فأصاب حنجرته وأرداه قتيلاً، ليكون بذلك أول قرابين الأنصار فوق تراب بدر، وأول من نال شرف الشهادة منهم في تلك المعركة الفاصلة، ومضى إلى ربه ولم يترك من بعده عقباً، لكنه ترك ذكراً خالداً في دواوين السنة والسير [1].
ولعل أشد ما يُبرز مكانة حارثة ويؤكد عظيم أجره هو ذلك الموقف الوجداني المهيب الذي جمع والدته برسول الله ﷺ عقب المعركة؛ فقد أخرج البخاري وأحمد والترمذي من حديث أنس بن مالك أن أم الربيع بنت البراء أتت النبي ﷺ واللوعة تعتصر قلبها، لكنه لوعُ المؤمنة المستيقنة، فقالت بعبارةٍ لخصت معاني الصبر والاحتساب: “يا نبي الله، ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء؟”. فجاء الرد النبوي كبشارةٍ تفيض طمأنينة ورفعة، حيث قال لها ﷺ: “يا أم حارثة، إنها جنان، وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى” [2]. وفي هذا الحديث دلالةٌ عميقة على أن الجنة ليست درجة واحدة، بل هي منازل شتى، وأن حارثة برغم قصر مدة جهاده قد نال ذروة سنامها، إذ يُروى في روايات الترمذي وأحمد أن الفردوس هي ربوة الجنة، أي أرفع مكان فيها، وهي أوسطها وأفضلها، وهذا ما يُفسر صبر أمه واحتسابها بعد سماع هذا المقام السامي الذي بلغه ولدها [3].
الهوامش:
[1] يُنظر: الطبقات الكبرى لابن سعد (3 / 510)، والاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (1 / 91)، وسير أعلام النبلاء للذهبي (1 / 163)، والإصابة في تمييز الصحابة لابن حجر (1 / 614).
[2] أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب من أتاه سهم غرب فقتله (2654)، والإمام أحمد في مسنده (21/280)، والترمذي في سننه (5/327).
[3] سنن الترمذي (5/327)، ومسند الإمام أحمد (21/280)، ويُلحظ أن وصف الفردوس بالربوة ورد من قول التابعي قتادة كما هو مفصل في المصادر المسندية.