مصاهرات آل البيت بآل أبي بكر الصدّيق [1]: النبي ﷺ وأم المؤمنين عائشة، والحسن وحفصة بنت عبدالرحمن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

فإن المصاهرة بين البيوت من أوثق عرى الاجتماع، وأصدق شواهد المودة، وأدلّها على صفاء ما بين أهلها؛ إذ لا يُصاهر الرجلُ إلا من يرتضيه لكريمته، ويأمنه على عرضه ونسبه، فتغدو المصاهرة شهادةً عمليةً على الثقة والقرب لا تحتمل المجاملة. وقد جمعت بين بيت النبوة وبيت أبي بكر الصِّديق رضي الله عنه صلاتٌ متعددة تعاقبت عبر الأجيال، لم تنقطع بانقطاع جيل، بل تجددت في الأعقاب مرة بعد مرة، حتى صارت سمةً لازمةً للعلاقة بين البيتين. ونبدأ في هذا المقال بأولى تلك الصلات وأعلاها قدرًا، وهي التي كانت في حياة النبي صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، ثم نُتبعها بما كان في الجيل الذي يليه من ذرية أمير المؤمنين علي رضي الله عنه.

المصاهرة الأولى: النبي ﷺ وعائشة بنت أبي بكر رضي الله عنهما

تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة بنت أبي بكر الصِّديق، وهي مصاهرة قطعية لا يُنكرها أحد من علماء السير والتاريخ والأنساب، بل هي من أشهر ما تواترت به كتب السيرة والحديث. فبها صار الصِّديق رضي الله عنه صهرًا لرسول الله ﷺ، واجتمع له بذلك شرف الصحبة إلى شرف القرابة، فكان الصاحب في الغار والصاحب في المصاهرة. وبهذه الصلة تأسست القرابة الأولى بين البيتين في أرفع مقاماتها، إذ كان طرفها الأعلى النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم، فصارت أصلًا تتفرع عنه سائر المصاهرات اللاحقة وتستمد منه شرفها.

المصاهرة الثانية: الحسن بن علي وحفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر

ثم امتدت الصلة إلى الجيل التالي، فتزوج الإمام الحسن بن علي بن أبي طالب سبطُ رسول الله ﷺ وريحانتُه من حفصة بنت عبدالرحمن بن أبي بكر الصِّديق، فهي حفيدة الصِّديق من ابنه عبدالرحمن. ذكر هذا الزواج التستري في «تواريخ النبي والآل» في ذكر أزواج الإمام الحسن رضي الله عنه.

وقد اختلفت الرواية في حفصة هذه اختلافًا يحسن التنبيه عليه رعايةً للأمانة العلمية؛ فورد في «المحبر» لابن حبيب أنها تزوجت الحسين بن علي لا الحسن، وهو مما يُستبعد وقوعه على هذا الوجه، والأشبه أنه وهمٌ من صاحب «المحبر». كما أوردها ابن عساكر نقلًا عن ابن سعد في «الطبقات» زوجةً للحسين، غير أن في ثبوت ذلك ترددًا لم يُقطع به، فلم نجزم به في المتن. وذُكر أيضًا أن من أزواجها عاصم بن الخطاب، ثم المنذر بن الزبير الذي كان أول أزواجها ثم عادت إليه؛ وتعدد أزواجها في مختلف الروايات لا يقدح في أصل المصاهرة، وإنما هو من تفاصيل ترجمتها التي تناقلها أهل النسب.

وبهذا يظهر أن الصلة بين البيتين لم تكن عارضة ولا طارئة، بل بدأت من مقام النبوة ذاته حين صاهر النبيُّ ﷺ الصِّديقَ، ثم استمرت في ذرية أمير المؤمنين علي رضي الله عنه حين صاهر سبطُه الحسنُ آلَ الصِّديق، لتؤسس بذلك لسلسلة من المصاهرات المتتابعة يفصّلها المقالان التاليان، حتى تبلغ ذروتها في ميلاد الإمام جعفر الصادق الذي جمع شرف البيتين في نسبه.

المصادر: التستري، «تواريخ النبي والآل» (ص107)؛ ابن حبيب، «المحبر» (ص448)؛ ابن عساكر عن ابن سعد، «الطبقات» (8/468).