مصاهرات آل البيت بآل أبي بكر الصدّيق [2] : إسحاق بن عبدالله بن جعفر وأم حكيم، والباقر وأم فروة
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي جعل بين عباده المودة والرحمة، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى وعلى آله وصحبه ذوي القدر الرفيع.
فإن أوثق ما تُروى به صلات البيوت وأبقاها أثرًا أن تُثمر المصاهرةُ ذريةً تجمع شرف الطرفين، فلا تبقى الصلة مجرد عقدٍ بين رجل وامرأة، بل تصير نسبًا لاحمًا يجري في الأعقاب جيلًا بعد جيل. وهذا ما بلغ ذروته فيما نعرضه في هذا المقال من مصاهرتين متتابعتين في ذرية أهل البيت، تنتهي ثانيتهما إلى ولادة الإمام جعفر الصادق رحمه الله، الذي اجتمع له شرف النسبين، فافتخر بذلك مصرّحًا في مقولته المشهورة التي خلّدها النسّابون وتناقلتها كتب الأنساب من الفريقين. ونبدأ بالمصاهرة التي مهّدت لها في ذرية جعفر الطيار، ثم نُثنّي بالمصاهرة التي كانت ثمرتها الصادقَ نفسَه.
المصاهرة الثالثة: إسحاق بن عبدالله بن جعفر وأم حكيم بنت القاسم
تزوج إسحاق بن عبدالله بن جعفر بن أبي طالب من أم حكيم بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق، وهي أخت أم فروة الآتي ذكرها في المصاهرة التالية؛ فالبيتان اللذان تفرّعت عنهما هاتان المصاهرتان بيتٌ واحد، إذ أم حكيم وأم فروة كلتاهما ابنتا القاسم بن محمد بن أبي بكر، فاجتمعت في القاسم مصاهرتان لأهل البيت في آن. وقد أشار ابن عنبة في «عمدة الطالب» إلى ذرية عبدالله بن جعفر بن أبي طالب، وذكر منهم إسحاق العريضي وأن أمه أم ولد. وانظر في هذا أيضًا «نسب قريش» للزبيري في ذكر ولد جعفر بن أبي طالب، و«المعارف» لابن قتيبة.
المصاهرة الرابعة: محمد الباقر وأم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر
تزوج الإمام محمد الباقر ابنُ علي زين العابدين ابنِ الحسين بن علي بن أبي طالب من أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق، فولدت له الإمام جعفرًا الصادق. وهذه من أشهر مصاهرات البيتين وأوثقها، فقد ذكرها جماعة من العلماء تتابعت كلمتهم عليها: الشيخ المفيد في «الإرشاد»، ومحمد الأعلمي الحائري في «تراجم أعلام النساء»، وابن عنبة في «عمدة الطالب»، وابن الطقطقي في «الأصيلي»، والزبيري في «نسب قريش».
وموضع النفاسة في هذه المصاهرة أن الصِّديق رضي الله عنه يجتمع في نسب جعفر الصادق من جهتين لا من جهة واحدة؛ فإن أمّه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر، وأمّ أمِّه هي أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، فالتقى له أبو بكر الصِّديق أبًا لجدّته من الأب وأبًا لجدّته من الأم. ولهذا كان الإمام الصادق رحمه الله يقول مفتخرًا: «ولدني أبو بكر مرتين»، وهي مقولة صحّت عنه وأوردتها عدة مراجع ومصادر. قال النسّابة ابن عنبة: «وأعقب أبو عبدالله جعفر الصادق وحده، وأمه أم فروة بنت القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر، وأمها أسماء بنت عبدالرحمن بن أبي بكر، ولهذا كان الصادق يقول: ولدني أبو بكر مرتين، ويقال له عمود الشرف».
وفي هذه الواقعة يتجلى أن الصلة بين البيتين لم تبق في حدود المصاهرة العارضة، بل صارت نسبًا لاحمًا مضاعفًا في أعقاب أهل البيت أنفسهم، حتى غدا الإمام الصادق شاهدًا حيًّا ناطقًا على هذا الاجتماع، مفتخرًا به معلنًا له غير مُوارٍ ولا كاتم، وهو من هو في إمامته وجلالة قدره عند الفريقين. وبه استحق أن يُلقّب بعمود الشرف، لاجتماع أشراف الأنساب في شخصه من بيت النبوة وبيت الصِّديق معًا.
المصادر: ابن عنبة، «عمدة الطالب» (ص37، وص176، وص225 ط دار الحياة)؛ الزبيري، «نسب قريش» (ص83، وص63)؛ ابن قتيبة، «المعارف» (ص208)؛ المفيد، «الإرشاد» (ص270)؛ الأعلمي الحائري، «تراجم أعلام النساء» (ص278)؛ ابن الطقطقي، «الأصيلي» (ص149).