الصحابة المبشّرون بالجنّة (12) : سلمان الفارسي رضي الله عنه.

هو سلمان ابن الإسلام، أبو عبد الله الفارسي، سابق الفرس إلى الإسلام، صحب النبي ﷺ وخدمه وروى عنه، ويلقَّب بـ”سلمان الخير”. أصله من أصبهان، وقيل من رامهرمز، وأول مشاهده غزوة الخندق. كان لبيبا حازما، من عقلاء الرجال وعبّادهم ونبلائهم.

ولإسلامه قصة طويلة، في بعض رواياتها ما يُستنكر. ومما صح فيها ما رواه بقي بن مخلد في مسنده عن أبي الطفيل عن سلمان قال: خرجت في طلب العلم إلى الشام، فقالوا لي: إن نبيا قد ظهر بتهامة، فخرجت إلى المدينة، فبعثت إليه بقَبَاع من تمر، فقال: «أهديةٌ أم صدقة؟» قلت: صدقة. فقبض يده، وأشار إلى أصحابه أن يأكلوا. ثم أتبعتُه بقَبَاع آخر فقلت: هذا هدية، فأكل وأكلوا. فقمت على رأسه ففطن، فألقى رداءه عن ظهره، فإذا فيه خاتم النبوة، فأكببت عليه وتشهدت. قال الذهبي: إسناده صالح (1).

وقد لخّص النووي خبر إسلامه بقوله: إنه هرب من أبيه ـ وكان مجوسيا ـ فلحق براهب، ثم انتقل بين جماعة من الرهبان واحدا بعد واحد، حتى دلّه آخرهم على الذهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النبي ﷺ، فخرج مع عرب فغدروا به وباعوه في وادي القرى ليهودي، ثم اشتراه منه يهودي من قريظة فقدم به المدينة. فلما هاجر النبي ﷺ، حمل إليه سلمان صدقة فلم يأكل منها، ثم بعد مدة أتاه بهدية فأكل، ثم رأى خاتم النبوة، وكانت هذه العلامات الثلاث قد وصفها له الراهب الأخير. قال سلمان: فرأيت الخاتم فقبّلته وبكيت، فأجلسني رسول الله ﷺ بين يديه فحدّثته بشأني كله. وقد فاتت سلمانَ بدرٌ وأُحُد بسبب الرق، فقال له النبي ﷺ: «يا سلمان، كاتب عن نفسك»، فكاتب صاحبَه على ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهبا، فأعانه النبي ﷺ وأصحابه على ذلك حتى أُدِّيت الكتابة، فأعتق (2).

ومن دلائل فقهه وعمق نظره ما رواه طارق بن شهاب عنه قال: إذا كان الليل، كان الناس منه على ثلاث منازل: فمنهم من له ولا عليه، ومنهم من عليه ولا له، ومنهم من لا عليه ولا له. فقلت: وكيف ذاك؟ قال: أما من له ولا عليه، فرجل اغتنم غفلة الناس وظلمة الليل فتوضأ وصلى، فذاك له ولا عليه. ورجل اغتنم غفلة الناس وظلمة الليل فمشى في معاصي الله، فذاك عليه ولا له. ورجل نام حتى أصبح، فذاك لا له ولا عليه. ثم بيّن سلمان لطارق أن الصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنب المرء المهلكات، وأوصاه بالقصد فإنه أبلغ (3).

وكان مع زهده يكره التكلف؛ فعن أبي وائل قال: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان، فقال: لولا أن رسول الله ﷺ نهانا عن التكلف، لتكلفت لكم. فجاءنا بخبز وملح، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا صعتر. فبعث سلمان بمطهرته فرهنها وجاء بصعتر. فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنّعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعتَ لم تكن مطهرتي مرهونة (4).

وفي خبر وفاته ما يدل على صفاء روحه؛ فعن بُقيرة امرأته أنها قالت: لما حضره الموت دعاني وهو في عُلِّيّة له، لها أربعة أبواب، فقال: افتحي هذه الأبواب، فإن لي اليوم زوارا لا أدري من أيّها يدخلون عليّ. ثم دعا بمسك فقال: أديفيه ـ أي اخلطيه ـ في تور، ثم انضحيه حول فراشي. فاطّلعت عليه فإذا هو قد قُبضت روحه، فكأنه نائم على فراشه (5).

أما في عمره، فقد نقل بعض أهل العلم أنه عاش ثلاثمئة وخمسين سنة، وأن مئتين وخمسين منها مما لا يُشَكّ فيه. وقد ردّ الحافظ الذهبي هذا النقل وضعّفه، فقال: “فتّشت، فما ظفرت في سنّه بشيء سوى قول البحراني، وذلك منقطع لا إسناد له. ومجموع أمره وأحواله وغزوه وهمته وتصرفه وسفه للجريد، يُنبئ بأنه ليس بمعمَّر ولا هَرِم”. وذهب إلى أنه فارق وطنه وهو شاب، وقدم الحجاز وله نحو الأربعين أو أقل، فعاش بعدها بضعا وسبعين سنة، وما يُرى أنه بلغ المئة (6). ويعضّد ذلك ما رواه جعفر بن سليمان عن ثابت البناني أن سعدا لما عاده في مرض موته فبكى سلمان، قال له سعد: ما يبكيك بعد ثمانين؟ قال: يبكيني أن خليلي ﷺ عهد إليّ عهدا قال: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد الراكب»، وإنا قد خشينا أنا قد تعدّينا. وهذا ـ كما قال الذهبي ـ يوضح أنه كان من أبناء الثمانين (7). وكانت وفاته سنة أربع وثلاثين.

وقد وردت البشارة له بالجنة من حديث الحسين بن علي وأنس بن مالك وحذيفة وأبي هريرة وعلي بن أبي طالب ومعاذ. ومن أشهر ذلك حديث أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال: «الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي وعمار وسلمان». أخرجه الترمذي وأبو يعلى والطبراني في الكبير والحاكم وغيرهم من طرق عن الحسن بن صالح عن أبي ربيعة الإيادي به، وقال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسن بن صالح. وأبو ربيعة الإيادي هو عمر بن ربيعة، اختُلف فيه؛ فضعّفه أبو حاتم وقال: منكر الحديث، ووثّقه ابن معين، وذكره الذهبي في المغني، وحكم عليه الحافظ ابن حجر في التقريب بأنه مقبول (8).


الهوامش:

(1) سير أعلام النبلاء، الذهبي (1/538).

(2) تهذيب الأسماء واللغات، النووي (1/318)، وانظر: سير أعلام النبلاء (1/512).

(3) أخرجه عبد الرزاق مختصرا في مصنفه (1/48)، والبيهقي في شعب الإيمان (3/175)، والرواية بتمامها في سير أعلام النبلاء (1/550).

(4) المعجم الكبير، الطبراني (6/235).

(5) أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء (1/208).

(6) سير أعلام النبلاء (1/556).

(7) العلل، ابن أبي حاتم (5/191 رقم 1912)، وانظر: سير أعلام النبلاء (1/553).

(8) أخرجه الترمذي (3797)، وأبو يعلى في مسنده (5/164)، والطبراني في المعجم الكبير (6/215)، والحاكم في المستدرك (3/148)، والدينوري في المجالسة (2/133)، وابن الجوزي في العلل المتناهية (1/248). وانظر في ترجمة أبي ربيعة: الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم (6/109)؛ تاريخ ابن معين برواية الدارمي (رقم 948)؛ المغني في الضعفاء، الذهبي (2/41)؛ تقريب التهذيب، ابن حجر (رقم 8093).