الصحابة المبشّرون بالجنّة (14) : عبد الله بن سلام رضي الله عنه
هو عبد الله بن سلام ـ بتخفيف اللام ـ الإسرائيلي، أبو يوسف، حليف بني الخزرج. وكان اسمه في الجاهلية الحصين، فسمّاه النبي ﷺ عبد الله. وهو من علماء أهل الكتاب الذين أسلموا، أسلم لما قدم النبي ﷺ المدينة مهاجرا.
يحدّث ابن سلام عن ذلك اليوم فيقول: خرجت في جماعة من أهل المدينة لننظر إلى رسول الله ﷺ حين دخوله المدينة، فنظرت إليه وتأمّلت وجهه، فعلمت أنه ليس بوجه كذاب. وكان أول شيء سمعته منه قوله: «أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصِلوا الأرحام، وصلّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام» (1).
وقد كان لإسلامه أثر بيّن في كتاب الله؛ فقد ذهب جمع من المفسرين إلى أنه المراد بقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأحقاف: 10]. وكذلك قوله سبحانه: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 43]، فقد روي عن ابن سلام أنه ذكر أنها نزلت فيه.
وقد كان رضي الله عنه وافر العلم والفقه، متخشعا في عبادته، عليه سيما الخير. أخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي بردة بن أبي موسى قال: أتيت المدينة، فإذا عبد الله بن سلام جالس في حلقة متخشعا عليه سيما الخير (2).
ولما اشتدّت الفتنة على عثمان رضي الله عنه، جاء ابن سلام لينصره، فقال له عثمان: ما جاء بك؟ قال: جئت في نصرك. قال: اخرج إلى الناس فاطردهم عني، فإنك خارج خير لي منك داخل. فخرج عبد الله إلى الناس فذكّرهم بفضله وسابقته، وقال: أيها الناس إنه كان اسمي في الجاهلية فلان، فسمّاني رسول الله ﷺ عبد الله، ونزلت فيّ آيات من كتاب الله (3).
وقد توفي رضي الله عنه بالمدينة في خلافة معاوية سنة ثلاث وأربعين، وقد بشّره النبي ﷺ بالجنة في حياته صريحا. ومن ذلك ما رواه عامر بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: ما سمعتُ النبي ﷺ يقول لأحد يمشي على الأرض: «إنه من أهل الجنة»، إلا لعبد الله بن سلام. قال: وفيه نزلت هذه الآية: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وفي رواية: ما سمعتُ رسول الله ﷺ يقول لحيٍّ يمشي: «إنه في الجنة»، إلا لعبد الله بن سلام (4). وقد ثبتت البشارة له بالجنة كذلك من حديث معاذ بن جبل.
الهوامش:
(1) أخرجه أحمد في المسند (5/451)، وابن أبي شيبة في المصنف (7/257)، وعبد بن حميد في مسنده (496)، والدارمي (1460)، والترمذي (2485) وقال: صحيح، وابن ماجه (1334)، وابن سعد في الطبقات الكبرى (1/235)، والحاكم في المستدرك (3/14) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والضياء المقدسي في الأحاديث المختارة (9/433 رقم 404).
(2) تاريخ دمشق، ابن عساكر (29/135)، وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة (4/119): بسند جيد.
(3) أخرجه الترمذي في سننه (3256).
(4) أخرجه البخاري (3601)، ومسلم (2483)، والنسائي في السنن الكبرى (8252) وغيرهم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11/126) أن في رواية الدارقطني تصريحا بأن قوله في الحديث: “وفيه نزلت هذه الآية” إنما هو من قول الإمام مالك.