روايات آل البيت في الثناء على عثمان بن عفّان رضي الله عنه والبراءة من قاتليه (شهادة عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه)

يُعدّ مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه من الأحداث الكبرى في فجر التاريخ الإسلامي، وقد حظي موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه منه بعناية فائقة من المؤرخين والمحدثين، وتتبُّع دقيق على مر العصور؛ لما حمله من دلالاتٍ على براءته، وحزنه العميق، واستحيائه من الله أن يبايع قبل دفن المقتول.

وقد روى الحاكم في المستدرك وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، عن قيس بن عباد قال: سمعت علياً يوم الجمل يقول: «اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيي من الله أن أبايع قوماً قتلوا رجلاً قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا أستحيي ممن تستحي منه الملائكة؟ وإني لأستحيي من الله أن أبايع وعثمان قتيل على الأرض لم يدفن بعد. فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس فسألوني البيعة، فقلت: اللهم إني مشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزيمة فبايعت، فلقد قالوا: يا أمير المؤمنين، فكأنما صدع قلبي وقلت: اللهم خذ مني لعثمان حتى ترضى».

وهذا النص الطويل يصور لنا علياً – وهو القوي الشجاع – في حالة من الانكسار والدهشة، طاش عقله وأنكرت نفسه، فهذا ليس اضطراباً عاطفياً فحسب، بل هو شعور بالمسؤولية الملقاة على عاتقه، فكيف يبايع قوماً قتلوا رجلاً له هذه المنزلة عند النبي؟ إن استحياءه من الله أن يبايع والقتيل لم يدفن بعد، دليل على عظيم ورعه، وحبه لعثمان، وتقديره لحرمة دمه.

ولم تقف مرويات البراءة عند هذا الحد، بل روى الإمام أحمد والحاكم وابن سعد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: رأيت علياً رافعاً حضنيه يقول: «اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان». وهذه الصورة التي تتكرر في خطبه ومواقفه، تؤكد أن علياً كان يقسم على براءته من دم عثمان، وأنه لم يأمر بقتله، بل نهى عنه فلم يسمعوا منه.

وقد اعتنى الحافظ ابن عساكر بجمع الطرق الواردة عن علي في تبرئه من دم عثمان، وقال ابن كثير في البداية والنهاية: «إنَّه ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند الكثير من أئمة الحديث». وهذا يؤكد أن الاتهامات التي وجهت لعلي في كونه متورطاً في مقتل عثمان، هي من أوهام التاريخ، وأن الحق الثابت هو موقفه النقي من هذه القضية.

وهكذا تظهر مرويات أهل البيت – وأخص منهم علياً وابن عباس – إجماعهم على حرمة دم عثمان، ووجوب المطالبة به، وعلى براءة علي رضي الله عنه من تلك الجريمة النكراء. وهذه الشهادات المتواترة تضع النقاط على الحروف في واحدة من أخطر القضايا التاريخية، وتؤكد أن الصراع كان سياسياً، لم يمس عقيدة الصحابة ولا عدالتهم، وإنما كان اجتهاداً انتهى إلى خلاف، بقي أثره في ضمير التاريخ الإنساني.

 

المصادر:

  • رواية قيس بن عباد: الحاكم النيسابوري، “المستدرك على الصحيحين”، كتاب معرفة الصحابة، حديث رقم (٤٥٢٧)، ج ٣، ص ١٠١، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.

  • ابن كثير، “البداية والنهاية”، ج ٧، ص ١٩٣، نقلاً عن اعتناء ابن عساكر بجمع الطرق.

  • رواية ابن أبي ليلى: الإمام أحمد بن حنبل، “فضائل الصحابة”، حديث رقم (٧٢٧)، وحسّنه المحقق وصي الله عباس.

  • الحاكم النيسابوري، “المستدرك”، حديث رقم (٤٥٨٣)، ج ٤، ص ٥١، وصححه.

  • ابن سعد، “الطبقات الكبرى”، ج ٣، ص ٨٢.