نقد دعوى اختلاف الصحابة – رضي الله عنهم – هو الذي حرم الأمة العصمة
نقد دعوى اختلاف الصحابة – رضي الله عنهم – هو الذي حرم الأمة العصمة وأدى إلى تفرقها وتمزقها
قال الطاعن في الصحابة رضي الله عنهم:
«والمشكل الأساسي في كل ذلك هو الصحابة، فهم الذين اختلفوا في أن يكتب لهم رسول الله ﷺ ذلك الكتاب، الذي يعصمهم من الضلالة إلى قيام الساعة، واختلافهم هذا هو الذي حرم الأمة الإسلامية من هذه الفضيلة، ورماها في الضلالة، حتى انقسمت وتفرقت وتنازعت وفشلت وذهبت ريحها، وهم الذين اختلفوا في الخلافة».
والجواب :
إن هذا القول باطل، إذ معناه أن الرسول ﷺ ترك تبليغ ما فيه عصمة الأمة من الضلال، ولم يبلغ شرع ربه لمجرد اختلاف أصحابه عنده حتى مات على ذلك، وهذا يخالف قوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ۚ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} (المائدة: 67).
كما يخالف قوله تعالى:
{لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ} (التوبة: 128).
وصفه الله بالحرص على هداية أمته، وهذا ما قرره ابن كثير في تفسيره (انظر تفسير ابن كثير 2/404).
فمن المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، أن الرسول ﷺ قد بلغ كل ما أُمر به، وكان أحرص الناس على أمته، بما هو متواتر من جهاده وتضحيته، وأخباره الدالة على ذلك. فلو كان هذا الكتاب الذي يزعم الرافضي أنه عصمة للأمة، لما ساغ أن يؤخره النبي ﷺ إلى تلك اللحظة الأخيرة من حياته، فضلاً أن يتركه لمجرد الاختلاف.
وقد ثبت أن النبي ﷺ عاش بعد هذه الحادثة عدة أيام، حيث توفي يوم الاثنين، بينما وقعت الحادثة يوم الخميس (انظر: صحيح البخاري 8/143، ح 4448؛ مسلم 1/315، ح 419).
وإن قال قائل: “إنه خشي أن لا يقبلوه كما رفضوه أول مرة”. فالرد: هذا لا يضره، فإنما عليه البلاغ، كما قال الله:
{مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ۖ وَمَن تَوَلَّىٰ فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا} (النساء: 80).
وقد ثبت باتفاق السنة والشيعة أن النبي ﷺ لم يكتب هذا الكتاب، فدل ذلك على أنه ليس من الدين الذي أمره الله بتبليغه.
قال تعالى:
{ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗا} (المائدة: 3).
وقال ﷺ:
(إني تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك) (أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني في “ظلال الجنة” ص 26).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
“لم تكن كتابة الكتاب مما أوجبه الله عليه، إذ لو كان كذلك لما تركه، لكن رآه مصلحة لدفع النزاع في الخلافة، ثم علم أن الخلاف واقع لا محالة” (منهاج السنة 6/316).
وقال أيضاً:
“لما رأى أن الشك قد وقع، علم أن الكتاب لا يرفع الشك، فعلم أن الله سيجمع الأمة على أبي بكر، كما قال: (ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر)” (منهاج السنة 6/23، 25).
أما قول المخالف: “وهم الذين اختلفوا في الخلافة…”
فالرد أن الخلاف في زمن علي رضي الله عنه لم يكن على أصل الخلافة، فلم يدّعِ أحد من الصحابة أنه أحق بها منه، وإنما كان الخلاف حول القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه، وقد كان علي يوافقهم على أن عثمان قُتل مظلوماً، ولكن رأى تأجيل القصاص ريثما تستقر الأمور (انظر: البخاري ح 4468، 4469، و4844).