أبو هريرة رضي الله عنه [2]: إسلامه وصحبته لرسول الله ﷺ

دخل أبو هريرة رضي الله عنه في الإسلام في العام السابع للهجرة، في شهر المحرّم، حين خرج النبي ﷺ إلى خيبر، فكان إسلامه في لحظة فاصلة من حياته، غيّرت مجرى عمره كله. فقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنه قال: «شهدنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر…»[1]. كما روى أبو الغيث عنه قوله: «خرجنا مع النبي ﷺ إلى خيبر، ففتح الله علينا…»[2]. ومنذ ذلك اليوم لم يكن أبو هريرة مجرد مسلم جديد، بل صار جنديًا في صفوف الإيمان، يشارك في الجهاد، ويتلقى أولى بشائر النصر مع النبي ﷺ وأصحابه.

ثم توالت الأيام، فشهد بعد خيبر كثيرًا من المشاهد مع رسول الله ﷺ، فجمع بين فضل الجهاد في سبيل الله وبين شرف الصحبة لخير خلق الله. ومنذ لقائه بالنبي ﷺ إلى وفاته، وهي مدة تزيد على أربع سنين[3]، لم يفارقه طرفة عين؛ كان معه في حِلّه وترحاله، في سفره وإقامته، حتى صار جزءًا من حياة النبي اليومية. كان يرى فيه الأب والمعلم، ويستقي من هديه وعلمه ما يملأ القلب إيمانًا والعقل نورًا.

لقد تفرّغ أبو هريرة رضي الله عنه لهذه الصحبة المباركة بكل جوارحه. لم تشغله تجارة، ولم تلهه زراعة، ولم يربطه عمل دنيوي عن ملازمة رسول الله ﷺ. فقد كان فقيرًا زاهدًا، لا يملك إلا محبته للنبي ﷺ وحرصه على العلم. قال رضي الله عنه يصف حاله تلك بصدقٍ وتواضع:

«إنكم تزعمون أن أبا هريرة يكثر الحديث عن رسول الله ﷺ، والله الموعد، إني كنت امرأً مسكينًا أصحب رسول الله ﷺ على ملء بطني، وكان المهاجرون يشغلهم الصفق بالأسواق، وكانت الأنصار يشغلهم القيام على أموالهم، فحضرت من النبي ﷺ مجلسًا فقال: من يبسط رداءه حتى أقضي مقالتي، ثم يقبضه إليه، فلن ينسى شيئًا سمعه مني. فبسطت بردة عليّ حتى قضى حديثه، ثم قبضتها إليّ، فوالذي نفسي بيده ما نسيت شيئًا سمعته منه بعد ذلك»[4].

بهذه الكلمات النابعة من القلب ندرك سرّ تميّز أبي هريرة في رواية الحديث، فقد غمرته بركة الصحبة، وأنار الله له ذاكرته بنورٍ من عنده، فكان يحفظ ما يسمع من رسول الله ﷺ ولا ينساه أبدًا. لقد رزقه الله تعالى ببركة ملازمته للنبي ﷺ نعمة الحفظ والفهم، حتى صار بعد وفاة الرسول من أكثر الناس روايةً للحديث، يُحدّث الناس بما وعاه من السنّة المطهّرة، ويغذّي الأمة بعلمه وإخلاصه.

ولئن كان بعض الصحابة قد فُضّلوا بالسبق أو المال أو الجهاد الطويل، فإن أبا هريرة فُضّل بشيء آخر لا يقلّ شأنًا: حفظ حديث النبي ﷺ ونقله للأجيال، حتى لا يضيع من كلام رسول الله ﷺ حرفٌ واحد. لقد كان ذاكرة الأمة بعد نبيها، ولسانها الذي ينقل إليها نوره، فاستحقّ بذلك مكانته المضيئة في قلوب المسلمين إلى يوم الدين.

الهوامش:
[1] البخاري 5/74.
[2] البخاري فتح الباري 6/225، ومسلم شرح النووي 1/42–43، وأحمد 15/225.
[3] مسلم شرح النووي 2/128.
[4] البخاري 4/247 – كتاب البيوع، ومسلم شرح النووي 16/52–53، فضائل الصحابة، واللفظ للبخاري.