أبو هريرة رض الله عنه [3]: حبه لرسول الله ﷺ وخدمته له.

كان أبو هريرة رضي الله عنه شديد الحب لرسول الله ﷺ، مفعم القلب بثقته، دائم التعلق به، يتقرب إليه بما يرضيه، ويفرح لفرحه ويحزن لحزنه، ويغضب إذا نال أحد من مقامه الشريف، ولو كان من أقرب الناس إليه. يروي بنفسه مشهدًا مؤثرًا يكشف عمق هذا الحب وحرارته، إذ قال:

«كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يومًا، فأسمعتني في رسول الله ﷺ ما أكره، فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، فقلت: يا رسول الله، إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبى عليّ، فدعوتها اليوم، فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة».
فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اهدِ أم أبي هريرة».
يقول أبو هريرة: فخرجت مستبشرًا بدعوة نبي الله ﷺ، فلما جئت إلى الباب، فإذا هو مغلق، فسمعت أمي خشف قدمي، فقالت: مكانك يا أبا هريرة، وسمعت خضخضة الماء، فاغتسلت ولبست درعها، وعجلت عن خمارها، ثم فتحت الباب وقالت: يا أبا هريرة، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله.
فرجعت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي من الفرح، فقلت: يا رسول الله، أبشر، قد استجاب الله دعوتك، وهدى أم أبي هريرة، فحمد الله، وأثنى عليه، وقال خيرًا…»[1].

ذلك المشهد يجسد عمق العلاقة بين أبي هريرة والنبي ﷺ، علاقة محبةٍ وإيمانٍ وثقةٍ مطلقة. فحبّه للنبي لم يكن عاطفةً عابرة، بل كان حبًّا يفيض بالوفاء والصدق، حتى إذا سمع كلمة تمس النبي ﷺ تألم كما يتألم الجسد كله لجرحٍ صغير. وجزاه الله عن ذلك بأن أكرمه باستجابة دعوته، فأسلمت أمه، وامتلأ قلبه فرحًا ودموعه شكرًا لله.

وكان رضي الله عنه كثير الذكر لوصايا النبي ﷺ له، يرددها بفخرٍ ومحبة، ومن ذلك قوله:

«أوصاني خليلي ﷺ بثلاث، لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر»[2].

وكان إذا ذكر النبي ﷺ قال بصدق المودة: سمعت خليلي يقول:

«تبلغ الحلية من المؤمن إلى حيث يبلغ الوضوء»[3].

كلمة “خليلي” التي يكررها أبو هريرة كانت تفيض دفئًا، وتشهد بعمق الصلة بينه وبين رسول الله ﷺ، فهو لم يكن مجرد تلميذ أو راوٍ، بل كان محبًا خادمًا مخلصًا يهب نفسه لرسوله.

وقد تجلّى حبه في خدمته للنبي ﷺ، إذ كان لا يدع فرصة إلا انتهزها في خدمته وقضاء حوائجه. فقد أخرج البخاري أنه كان يحمل إلى النبي ﷺ إداوةً لوضوئه وحاجته، فقال النبي ﷺ يومًا:

«من هذا؟» فقال: أنا أبو هريرة. فقال: «ابغني أحجارًا أستنفض بها، ولا تأتني بعظمٍ ولا بروثة». قال: فأتيته بأحجارٍ أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه، ثم انصرفت…»[4].

وكذلك ما رواه أبو زرعة بن عمرو بن جرير عنه قال:

«دخل رسول الله ﷺ الخلاء، فأتيته بتورٍ فيه ماء، فاستنجى، ثم مسح يده بالأرض، ثم غسلها، ثم أتيته بتورٍ آخر، فتوضأ به»[5].

هذه المواقف الصغيرة في ظاهرها كانت عند أبي هريرة عظيمة في معناها، إذ كان يرى في خدمة رسول الله ﷺ شرفًا لا يدانيه شرف، وقربًا لا يساويه قرب، وكان يجد فيها لذة روحية لا يعدلها مال ولا جاه.

ويروي أيضًا قصةً مؤثرةً تكشف كرم النبي ﷺ وبركته، قال أبو هريرة:

«مرّ بي رسول الله ﷺ فعرف ما في وجهي من الجوع، فقال: أبو هريرة؟ قلت: لبيك يا رسول الله، فدخلت معه البيت فوجد لبنًا في قدح، فقال: من أين لكم هذا؟ قيل: أرسل به إليك فلان. فقال: يا أبا هريرة، انطلق إلى أهل الصفة فادعهم. وكان أهل الصفة أضياف الإسلام، لا أهل ولا مال، إذا أتت رسول الله ﷺ صدقة أرسل بها إليهم، وإذا جاءته هدية أصاب منها وأشركهم فيها.
يقول أبو هريرة: فساءني إرساله إياي، فقلت في نفسي: كنت أرجو أن أشرب من هذا اللبن شربة أتقوّى بها، ولكن ما كان لي أن أعصي أمر رسول الله ﷺ، فدعوتهم، فلما جلسوا قال لي: خذ يا أبا هريرة فأعطهم. فجعلت أعطيهم فيشرب كل واحد حتى يروى، حتى انتهيت إليهم جميعًا. ثم ناولته القدح، فرفع رأسه إليّ مبتسمًا وقال: بقيت أنا وأنت. قلت: صدقت يا رسول الله. قال: فاشرب. فشربت، فقال: اشرب. فشربت، فما زال يقول: اشرب حتى قلت: والذي بعثك بالحق ما أجد له مساغًا، فأخذ فشرب من الفضلة»[6].

مشهدٌ إنسانيّ نبويّ عظيم، يجتمع فيه الجوع مع الطاعة، والفقر مع البركة، والأنانية مع الإيثار التي تغلبها روح المحبة والإيمان. فقد آثر أبو هريرة إخوانه الفقراء على نفسه، رغم حاجته، فشربوا وشبعوا، ثم شرب هو بعدهم حتى ارتوى، وكل ذلك ببركة النبي ﷺ الذي كان إذا وضع يده على الشيء جعله الله بركةً ورحمة.

وهكذا كان أبو هريرة رضي الله عنه، محبًا وفيًّا، وخادمًا مخلصًا، لم يكن يكتفي بحفظ الأحاديث وروايتها، بل كان يعيشها خلقًا وسلوكًا. أحب رسول الله ﷺ حبًّا ملأ قلبه وكيانه، فعاش على سنّته، وخدمه بيده، ودافع عنه بلسانه، ونشر حديثه في الناس بقلبٍ عامرٍ بالإيمان وذاكرةٍ ملأى بالنور.

الهوامش:
[1] مسلم شرح النووي 16/51–92 فضائل الصحابة، وابن حبان 8/142، واللفظ لمسلم.
[2] البخاري 2/54، ومسلم 2/158، واللفظ للبخاري.
[3] أحمد المسند 17/27، والمراد بالحلية: النور.
[4] البخاري 2/240، والإداوة: إناء صغير من جلد يتخذ للماء. النهاية 1/33.
[5] أحمد المسند 15/239، والتور: إناء من صفر أو حجارة. النهاية 1/199.
[6] الذهبي سير أعلام النبلاء 2/591–592، وأصل الرواية في البخاري 7/179–180 كتاب الرقاق.