أبو هريرة رضي الله عنه [7]: برّه بوالديه ومحبّة المؤمنين

كان أبو هريرة رضي الله عنه مثالاً بارزاً في البرّ والرحمة واللطف، وقد عرف عنه شدة حرصه على رعاية أمّه وملازمتها، حتى أصبح اسمه مقروناً ببر الوالدة بين الصحابة والتابعين. فمنذ أن أسلم، حمل في قلبه رغبة صادقة في أن يفيض الله نور الهداية على أمّه كما أشرق على قلبه، ولذلك اصطحبها معه في الهجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم أنها كانت آنذاك مشركة، راجياً أن يقضي الله لها بالإيمان، وقد استجاب الله تعالى دعاء نبيّه له فأكرمها بالإسلام، فامتلأ قلبه فرحاً حتى بكى من شدة السرور، وقد تقدّم ذكر ذلك في الروايات.

ومن أجمل ما يروى عنه في هذا الباب تلك القصة المؤثرة التي قال فيها: «خرجت يوماً من بيتي إلى المسجد فوجدت نفراً، فقالوا: ما أخرجك؟ قلت: الجوع، فقالوا: ونحن والله ما أخرجنا إلا الجوع…»
ويكمل الرواية حتى يخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم أطعمهم تمرتين، فاحتفظ بواحدة لأمه مع أنّه كان في شدة الجوع، فلما سأله النبي ص عن سبب حفظه لها قال: إنها لأمي، فقال له النبي:
«كلها فسنعطيك لها تمرتين»(1).
وهذه الحادثة تكشف عمق اهتمامه بأمه في أدق تفاصيل حياته، حتى في أحلك اللحظات التي كان الجوع فيها شديدًا، فلم ينس أن يقدّمها على نفسه.

كما جاء عن ابن شهاب الزهري أنه لم يكن يحج حتى ماتت أمّه، وذلك لصحبتها ورعايتها الدائمة، وقد آثر ملازمتها على الحج لما يرى من حقها العظيم عليه، وهو موقف لا يصدر إلا من قلب غمره البرّ وامتلأ بحسن المعاملة(1). وهكذا يتضح أن البرّ عند أبي هريرة لم يكن مجرد كلمات، بل حياة كاملة عاشها في خدمة أمّه وطلب رضاها.

وقد بلغ من صدق محبته لها أنه قال: «قلت يا رسول الله ادعُ الله أن يحببني أنا وأمي إلى عباده المؤمنين، ويحببهم إلينا»،
فدعا له النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم حبّب عُبيدَك هذا – يعني أبا هريرة – وأمَّه إلى عبادك المؤمنين، وحبّب إليهم المؤمنين…»(2).
وهذا الدعاء النبوي الكريم كان له أثر بيّن في حياة أبي هريرة، فقد انتشرت محبته في القلوب، وأصبح معروفاً عند الناس بالتواضع واللطف وخالص النية، لا يذكره أحد إلا ويثني عليه.

وقد علّق ابن كثير على هذا الحديث بقوله: «وهذا الحديث من دلائل النبوة، فإن أبا هريرة محبب إلى جميع الناس، وقد شهر الله ذكره بما قدره أن يكون من روايته»(3).

وفي هذا إشارة واضحة إلى أن ما اشتهر به أبو هريرة من محبة الناس له كان ثمرة دعاء نبوي مستجاب، وبرٍّ صادق عاش به حياته كلها، حتى غدت سيرته مثالاً في البرّ والخلق الرفيع وحسن الصحبة للأم والناس.

المراجع
(1) ابن سعد: الطبقات 4/329، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/592.
(2) مسلم بشرح النووي 16/52.
(3) ابن كثير: البداية والنهاية 8/108.