أبو هريرة وآل البيت رضي الله عنهم: شهادة أبي هريرة بكرم جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه ومواساته للمساكين

تُبرز روايات أبي هريرة رضي الله عنه في مناقب جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه جانبًا إنسانيًا عظيمًا من شخصيته، يتمثل في شدة رحمته بالمساكين وحرصه على مواساتهم بما يملك، وهو جانب يتصل اتصالًا وثيقًا بأخلاق النبوة التي تربى عليها جعفر في بيت الإسلام الأول. وتكتسب هذه الرواية أهميتها من كونها صادرة عن أبي هريرة، المعروف بملازمته للفقراء والمحتاجين، ومعرفته الدقيقة بأحوالهم، مما يجعل شهادته في هذا الباب ذات دلالة خاصة.

فقد روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: «وكان أخير الناس للمسكين جعفر بن أبي طالب، كان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إن كان ليخرج إلينا العكة التي فيها شيء فنشقها فنلعق ما فيها»[1].
وتكشف هذه الرواية عن صورة صادقة من حياة جعفر رضي الله عنه، حيث لم يكن عطاؤه للمساكين عطاء فضلٍ بعد غنى، بل كان مشاركة حقيقية لهم فيما يملك، حتى وإن قلّ، وهو ما يظهر في إخراجه العكة التي فيها شيء يسير من الطعام ليشاركهم فيه.

وتدل ألفاظ الرواية على أن جعفر رضي الله عنه كان يقدم المساكين على نفسه، ويحرص على إدخال السرور عليهم، ولا يتكلف في ذلك، بل يطعمهم مما في بيته على حاله، دون تكلّف أو تصنّع. كما يظهر من قول أبي هريرة «ينقلب بنا» أن هذه المواساة كانت عادة مستمرة، لا تصرفًا عارضًا، مما يعكس ثبات هذا الخلق في شخصية جعفر رضي الله عنه.

وتؤكد هذه الرواية أن أبا هريرة رضي الله عنه كان ناقلًا أمينًا لمناقب آل البيت، شاهداً على أخلاقهم العملية، وموثقًا لجانب من سلوكهم الاجتماعي الذي يجسد قيم الإسلام في الرحمة والتكافل. كما تعكس منزلة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه في قلوب الفقراء والمساكين، حتى صار ذكره مقترنًا بالإحسان إليهم، وهي منزلة لا تنال إلا بصدق العمل وإخلاص النية.

[1] البخاري 2/208، فضائل الصحابة، العكة: وعاء من جلد يوضع فيه السمن.