شهادة أبي هريرة لاتباع علي بن أبي طالب رضي الله عنه لسنة النبي ﷺ في صلاة الجمعة
تتجلى ملامح إنصاف أبي هريرة رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في رواياته التي تشهد باتباعه الدقيق لسنة رسول الله ﷺ، ومن ذلك ما نقله في شأن قراءة علي رضي الله عنه في صلاة الجمعة، وهي مسألة تتصل بهدي النبي ﷺ في العبادة، وتكشف عن مدى التزام علي بالاقتداء به في أدق تفاصيلها. وتبرز أهمية هذه الرواية من جهة أنها صادرة عن أبي هريرة، المعروف بكثرة ملازمته للنبي ﷺ وحرصه على نقل سنته، مما يضفي على شهادته وزناً علمياً واضحاً.
فقد روى أبو رافع قال: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه: إن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه إذا كان بالعراق يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة، وإذا جاءك المنافقون، فقال أبو هريرة: كذلك كان رسول الله ﷺ يقرأ[1].
وفي هذا الجواب تقرير صريح من أبي هريرة رضي الله عنه بأن فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه موافق لهدي النبي ﷺ، وأنه لم يكن يقرأ هاتين السورتين اجتهاداً مجرداً، بل اتباعاً وتأسيًا بما ثبت عن رسول الله ﷺ.
وتدل هذه الرواية على أن أبا هريرة رضي الله عنه كان مرجعاً في بيان السنة العملية للنبي ﷺ، وأنه استعمل هذا العلم في توثيق فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وإثبات موافقته للسنة النبوية. كما تكشف عن مكانة علي رضي الله عنه في التزامه بالاقتداء برسول الله ﷺ في العبادات، وهو ما يعد من أعظم فضائله، إذ إن شرف الاتباع مقدم على مجرد الفعل.
وتبرز هذه الشهادة كذلك جانباً مهماً من علاقة أبي هريرة رضي الله عنه بعلي بن أبي طالب رضي الله عنه، حيث لم يتردد في الإخبار بموافقته للسنة، بل قرر ذلك بعبارة موجزة حاسمة: «كذلك كان رسول الله ﷺ يقرأ»، وهي عبارة تحمل في طياتها تزكية واضحة لفعل علي، وربطاً مباشراً بين عمله وسنة النبي ﷺ. وهذا يدل على أن أبا هريرة لم يكن ناقلاً مجرداً للأحاديث، بل كان شاهداً على الاتباع، ومقرّاً به حين يُسأل عنه.
وتؤكد هذه الرواية، في مجموع دلالاتها، أن أبا هريرة رضي الله عنه أسهم في نقل صورة ناصعة عن التزام علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسنة النبوية، وأن رواياته في هذا الباب تمثل جانباً مهماً في بيان العلاقة الإيجابية بين الصحابة وآل البيت رضي الله عنهم، القائمة على الشهادة بالحق، والإنصاف في النقل، والتوقير المتبادل.
[1] ابن حبان: الصحيح 4/104.