نقد مزاعم الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – أنهم غيروا في الصلاة

نقد مزاعم الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – أنهم غيروا في الصلاة

قال الطاعن في الصحابة – رضي الله عنهم – ، تحت عنوان: (الصحابة غيّروا حتى في الصلاة):
«قال أنس بن مالك: ما عرفت شيئًا مما كان على عهد النبي ﷺ إلا الصلاة، قال: أليس ضيّعتم ما ضيّعتم فيها؟
وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكي، فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئًا مما أدركت إلا هذه الصلاة، وقد ضُيّعت.

الرد عليه:

هذان الأثران ثابتان عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أخرجهما البخاري في صحيحه【1】، وليس فيهما أي طعن في أصحاب رسول الله ﷺ كما زعم الرافضي، بل إن أنسًا رضي الله عنه قال ذلك إنكارًا على الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي كان واليًا على العراق من قِبل بني أمية، وكان يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها – كما كان عليه بعض أمراء بني أمية【2】.
وقد ورد عن ثابت البناني قوله:
«كنا مع أنس بن مالك فأخّر الحجاج الصلاة، فقام أنس يريد أن يكلمه، فنهاه إخوانه شفقة عليه، فخرج فركب دابته وقال في مسيره: والله ما أعرف شيئًا مما كنا عليه على عهد النبي ﷺ…»【3】.
ثم إن أنسًا انتقل بعد ذلك إلى دمشق، وهناك قال الأثر الثاني الذي رواه عنه الزهري بعد قدومه.
قال الحافظ ابن حجر:
«كان قدوم أنس إلى دمشق في إمارة الحجاج على العراق، قدمها شاكياً من الحجاج إلى الخليفة، وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك»【4】.
وهكذا يتبيّن أن قول أنس رضي الله عنه كان وصفًا لحال زمانه في أواخر حياته، وما رآه من تأخير الصلاة عن وقتها من بعض الأمراء في العهد الأموي.
وكان أنس رضي الله عنه من المعمّرين ببركة دعاء رسول الله ﷺ له، فعن أنس قال:
قالت أم سليم: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: «اللهم أكثر ماله وولده، وأطل حياته، واغفر له».
قال أنس: «فدفنت من صلبي مائة وثلاثة، وإن ثمرتي لتطعم في السنة مرتين، وطالت حياتي حتى استحييت من الناس، وأرجو المغفرة»【5】.
وكانت وفاته سنة 93هـ، وقدم دمشق سنة 92هـ【6】.
وقد ورد أن قدومه على الوليد بن عبد الملك كان في تلك السنة، أي قبل وفاته بعام【7】.
ومعروف أنه في ذلك الوقت لم يبق من الصحابة إلا القليل، بل ذهب بعض العلماء إلى أن أنس بن مالك هو آخر من مات من الصحابة، وقيل: بل أبو الطفيل عامر بن واثلة الليثي رضي الله عنهما【8】.
وعلى هذا، فأي لوم يُلقى على الصحابة في تغيّر الناس من بعدهم؟!
ومن بقي منهم كان يُنكر ذلك، كما تقدم في الأثرين عن أنس رضي الله عنه.
ثم إن هذا التغيير الذي ذكره أنس رضي الله عنه لم يكن عامًا في جميع الأمصار، بل كان في بعض البلاد كالعراق والشام.
ويشهد لذلك ما رواه البخاري عن بشير بن يسار الأنصاري أن أنس بن مالك قدم المدينة، فقيل له: ما أنكرت منا منذ عهدت رسول الله ﷺ؟ قال: «ما أنكرت شيئًا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف»【9】.
وقد نبّه الحافظ ابن حجر رحمه الله على هذا المعنى عند شرحه للأثرين، فقال:
«إطلاق أنس محمول على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصة، وإلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال: (ما أنكرت شيئًا…)»【10】، ثم ساق الأثر.
________________________________________
الهوامش:
1. صحيح البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، باب تضييع الصلاة عن وقتها. انظر: فتح الباري 2/13.
2. البداية والنهاية لابن كثير 9/94.
3. فتح الباري 2/13.
4. المرجع نفسه.
5. الأدب المفرد للبخاري، باب من دعا بطول العمر. وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 5/284، ح 2241.
6. انظر: البداية والنهاية 9/94، والإصابة لابن حجر 1/113.
7. البداية والنهاية 9/94.
8. الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير، ص160.
9. صحيح البخاري، كتاب الأذان، باب إثم من لم يتم الصفوف. فتح الباري 2/209، ح 724.
10. فتح الباري 2/13.