معية أبي هريرة لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في تبليغ براءة

تظهر معية أبي هريرة رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض المهمات الكبرى التي كلّفهما بها رسول الله ﷺ، وهو ما يعكس طبيعة العلاقة التي كانت قائمة بين الصحابة وآل البيت، علاقة تقوم على التعاون في أداء التكليف الشرعي، والامتثال لأوامر النبي ﷺ، بعيدًا عن أي تصور للقطيعة أو التنافر. ومن أوضح الشواهد على ذلك ما رواه أبو هريرة نفسه في سياق تبليغ آيات براءة لأهل مكة.

فقد روى المحرر بن أبي هريرة عن أبيه أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنت مع علي بن أبي طالب حيث بعثه رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ببراءة»، ثم ذكر مضمون النداء الذي كانوا ينادون به في الناس، فقال: «ما كنتم تنادون؟ قال: كنا ننادي أنه لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ﷺ عهد فإن أجله، أو أمده إلى أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة الأشهر، فإن الله بريء من المشركين ورسوله، ولا يحج هذا البيت بعد العام مشرك». ثم قال أبو هريرة رضي الله عنه في ختام روايته: «فكنت أنادي حتى صحل صوتي»[1].

وتكشف هذه الرواية بوضوح عن مشاركة أبي هريرة رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في أداء هذه المهمة الجليلة، حيث كان معه في تبليغ أحكام براءة للناس، ونشر ما أُمروا بإبلاغه من قبل رسول الله ﷺ. كما تدل على أن أبا هريرة لم يكن مجرد راوٍ للأحداث بعد وقوعها، بل كان شاهداً ومشاركاً في تنفيذ بعض الأوامر النبوية إلى جانب علي رضي الله عنه، مما يعكس وجود معية عملية وتعاون مباشر بينهما.

وتبرز أهمية هذه الرواية أيضاً في دلالتها على الثقة التي أولاها رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في أداء هذه المهمة، وعلى قبول أبي هريرة رضي الله عنه العمل تحت إمرته في تبليغ رسالة الإسلام، وهو ما يدل على ما كان سائداً بين الصحابة من تسليم وامتثال، بعيداً عن النزاعات أو الحساسيات الشخصية. كما أن تصريح أبي هريرة بأنه كان ينادي حتى بحّ صوته يدل على حرصه على أداء الأمانة كاملة، ومشاركته الفاعلة في إنجاح المهمة.

وتؤكد هذه الرواية، من خلال مضمونها وناقلها، أن العلاقة بين أبي هريرة رضي الله عنه وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه كانت علاقة تعاون واحترام في إطار الطاعة لرسول الله ﷺ، وأن أبا هريرة كان جزءاً من الجهد الذي بُذل في تبليغ أوامر الله ورسوله، جنباً إلى جنب مع أحد أعلام آل البيت، في صورة عملية تجسد وحدة الصف في العهد النبوي.

[1] أحمد: المسند 15/133–134، وصَحِلَ بفتح الصاد وكسر الحاء معناه: بَحَّ.