أبو هريرة رضي الله عنه [1]: اسمه ونسبه وكنيته

كان اسم أبي هريرة رضي الله عنه موضع خلاف بين المؤرخين وأصحاب السير، فقد رُوي في ذلك أقوال متعدّدة، اختلفوا فيها كما اختلفت لهجات القبائل وأخبارها. فقيل: كان اسمه قبل إسلامه عبد شمس بن صخر، وقيل: عبد عمرو بن عبد غنم، وقيل غير ذلك من الأسماء التي ترددت في بطون الكتب. ثم لما أسلم بين يدي رسول الله ﷺ، غيّر له النبي اسمه، كما كان يغيّر الأسماء التي تحمل معاني الشرك أو الكراهة، فسماه عبد الرحمن بن صخر. وقد روي عنه أنه قال: «كان اسمي في الجاهلية عبد شمس بن صخر، فسمّاني رسول الله ﷺ عبد الرحمن»[4]. وهكذا انتقل من اسمٍ يرمز إلى الجاهلية وإشراق الشمس على الأصنام، إلى اسمٍ يعبق برحمة الله ونور الإسلام.

ومهما يكن من اختلافٍ في الأسماء، فقد طغت كنيته على كل ذلك، حتى لم يعد أحدٌ يذكره إلا بها، إذ لم يكن في الناس من تُذكر كنيته فيتبادر إلى الأذهان غيره، فهو أبو هريرة بلا حاجة إلى تعريف أو لقبٍ آخر. وقد غلبت هذه الكنية على اسمه حتى في حياته، فما أن يُقال “أبو هريرة” حتى يبتسم الناس ويتذكرون صاحب النبي ﷺ الذي ملأ الدنيا حديثًا ونورًا.

ويروي أبو هريرة بنفسه أصل هذه الكنية فيقول في حديثٍ يفيض عفويةً ووداعة: «كنت أرعى غنم أهلي، وكانت لي هريرة صغيرة، فكنت أضعها بالليل في شجر، فإذا كان النهار ذهبت بها معي، فلعبت بها، فكنّوني أبا هريرة»[5]. مشهد بسيط لطفلٍ يمني يرعى الغنم، يحمل في يده هريرة صغيرة، يلهو بها ويأنس إليها في وحدته بين المراعي. وربما لم يكن يدري يومها أن تلك الهرة التي التصقت به ستمنحه اسمًا سيبقى حيًا في ذاكرة الأمة أربعة عشر قرنًا من الزمان.

وكانت هذه البساطة في حياته قبل الإسلام مدخلًا لرقّة قلبه بعده، إذ وجد في الإسلام دفئًا يفوق دفء الهريرة الصغيرة التي كان يحملها، فالتصق برسول الله ﷺ التصاق التلميذ بأستاذه، لا يفارقه إلا نادرًا، يحفظ كلماته، ويعي وصاياه، ويجمع في صدره ما سمع من حديثه. حتى صار أكثر الصحابة روايةً للحديث، إذ بلغت مروياته أكثر من خمسة آلاف حديث، كان يرويها بثقةٍ وصدقٍ وإخلاص، يشهد له بها العلماء والرواة على مر العصور.

وأما نسبه، فقد اتفق المؤرخون على أنه من قبيلة دوس الأزديّة اليمانية، تلك القبيلة التي كانت تسكن جبال السراة، وكان من أهلها الطفيل بن عمرو الدوسي الذي أسلم قبل أبي هريرة ودعاه إلى الإسلام. فلبّى الدعوة، وهاجر إلى المدينة المنورة، ليكون من رواة الحديث الكبار ومن حملة العلم النبوي. وقد عاش بعد رسول الله ﷺ في المدينة، يحدّث الناس بما سمع، ويذكّرهم بسيرة نبيهم، ويشارك في تعليم التابعين ونشر السنة.

واستمر في عطائه إلى أن تقدّمت به السن، فمرض واشتدّ عليه الوجع، فأوصى أن يُدفن بالبقيع إلى جوار إخوانه من الصحابة، وقيل إنه توفي بالعقيق – وهو موضع يبعد نحو عشرة أميال من المدينة – ثم حملوه منها إلى المدينة ودفنوه بالبقيع. واختلفت الروايات في سنة وفاته، فقيل: كانت سنة سبع وخمسين للهجرة، وقيل: ثمانٍ وخمسين، وقيل: تسعٍ وخمسين، وكان يومئذٍ ابن ثمانٍ وسبعين سنة، وقد ضعّف الحافظ الذهبي القول الأخير، واعتمد الحافظ ابن حجر القول الأول. وكان من بين من شيّعه عبد الله بن عمر وأبو سعيد الخدري رضي الله عنهما، يسيرون في جنازته بهدوءٍ ووقار، وكأنهم يشيّعون ذاكرةً كاملة من ذكريات النبي ﷺ وأحاديثه[6].

رحم الله أبا هريرة، فقد عاش بسيطًا في دنياه، عظيمًا في أثره، قليل المال كثير العلم، كان يحب رسول الله ﷺ حبًا صادقًا، ويقول: «والله لولا آيتان في كتاب الله ما حدّثت حديثًا أبدًا»، ثم يتلو قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى…} [البقرة: 159].
فكان يرى في تبليغ الحديث عبادة، وفي حفظه أمانة، وفي نشره حياةً للأمة بعد نبيها.

________________________________________

الهوامش:

[4] الحاكم: المستدرك 3/507، وابن حجر: الإصابة 4/202، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/205 وما بعدها.
[5] الترمذي: السنن 5/350، والحاكم: المستدرك 3/506.
[6] الحاكم: المستدرك 3/508، والذهبي: سير أعلام النبلاء 2/262–627، وابن حجر: الإصابة 4/210، وابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة 4/209–210.