نقل أبي هريرة لمواقف الحسن والحسين رضي الله عنهما مع رسول الله ﷺ في الصلاة
ينقل أبو هريرة رضي الله عنه مشهدًا فريدًا من مشاهد الرحمة واللطف النبوي، يجمع بين أداء العبادة في أسمى صورها، وبين إظهار الحنان الأبوي تجاه سبطيه الحسن والحسين رضي الله عنهما، وهو مشهد يكشف عن قرب أبي هريرة من حياة النبي ﷺ الخاصة، وحرصه على نقل دقائقها للأمة كما رآها وشهدها.
فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده بسنده عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما بيده من خلفه أخذًا رفيقًا، فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا، حتى قضى صلاته، أقعدهما على فخذيه». قال أبو هريرة: «فقمت إليه فقلت: يا رسول الله، أردّهما؟ فبرقت برقة، فقال لهما: الحقا بأمكما». قال: «فمكث ضوؤها حتى دخلا»( ).
ويصور هذا الحديث مشهدًا بالغ الدلالة، إذ يبيّن كيف جمع رسول الله ﷺ بين كمال الخشوع في الصلاة، وكمال الرحمة بالأطفال، دون أن يرى في ذلك تعارضًا أو نقصًا في العبادة. فقد كان ﷺ إذا سجد وثب الحسن والحسين رضي الله عنهما على ظهره، فلم يزجرهما، ولم يعنفهما، بل كان إذا رفع رأسه يحملهما برفق، ويضعهما على الأرض، فإذا عادا عاد، حتى أتم صلاته. وفي هذا أبلغ بيان لسعة خلقه ﷺ، وحلمه، وتقديره لمشاعر الصغار.
كما يظهر من موقف أبي هريرة رضي الله عنه حرصه على مراعاة حال النبي ﷺ، إذ عرض أن يردّ الصبيين عنه، غير أن النبي ﷺ أقرّ هذا الفعل، ثم أتبعه بمشهد آخر من مشاهد العناية، حيث أجلس الحسن والحسين على فخذيه بعد الصلاة، ثم أذن لهما بالانصراف إلى أمهما فاطمة رضي الله عنها. ويذكر أبو هريرة ما رآه من البرق الذي لمع عند قوله ﷺ: «الحقا بأمكما»، وبقاء ضوئه حتى دخولهما، وهو وصف دقيق يدل على شدة ملاحظته، وحرصه على نقل ما شاهده كما وقع.
وتؤكد هذه الرواية مكانة أبي هريرة رضي الله عنه كشاهد قريب من حياة النبي ﷺ، وناقل أمين لمواقف تجمع بين العبادة، والتربية، والرحمة، كما تكشف عن منزلة الحسن والحسين رضي الله عنهما عند جدهما رسول الله ﷺ، حيث كانا موضع عنايته ومحبته حتى في أشرف المواطن، وهو مقام الصلاة. كما تمثل هذه الرواية ردًا عمليًا على التصورات الخاطئة التي تفصل بين العبادة والرحمة، وتؤكد أن الهدي النبوي جمع بينهما في أسمى صورة.
المصدر:
مسند أحمد، ط. الرسالة (16/386)، رقم (10659)K قال المحقق: إسناده حسن.